رغم استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، لا يزال من المبكر تحديد الكلفة النهائية لإعادة إعمار ما خلّفته العمليات العسكرية في قرى وبلدات الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. غير أن حجم الدمار الواسع، وما يرافقه من خسائر مباشرة في الممتلكات والبنى الاقتصادية وسبل العيش، يطرح بقوة سؤال التمويل: كم ستبلغ كلفة إعادة الإعمار، ومن أين يمكن تأمينها، خصوصًا في ظل تجربة ما بعد حرب 2024، حين بقي هذا الملف دون تحرك فعلي من الدولة اللبنانية أو المجتمع الدولي، رغم أنه يمسّ حياة نحو مليون ومئتي ألف مواطن.
في المقابل، لا يمكن فصل ملف إعادة الإعمار في لبنان عن السياق السياسي الإقليمي والدولي. فتمويل أي عملية واسعة لإعادة البناء لا يرتبط فقط بحجم الأضرار، بل يتطلب أيضًا تسوية سياسية أو تفاهمات إقليمية شاملة، تُقنع الجهات المانحة بأن الأموال لن تُضخ في بيئة قابلة للانفجار مجددًا. وحتى تحقق ذلك، تبقى فجوة التمويل كبيرة، فيما يرتبط المسار العام للإعمار بشروط إصلاح اقتصادي ومالي يطالب بها المجتمع الدولي، تتجاوز مجرد ترميم الأضرار المادية إلى إعادة هيكلة النظام الاقتصادي والمؤسساتي.
وبالمقارنة مع ما بعد حرب 2006، تبدو شروط إعادة الإعمار اليوم أكثر تعقيدًا بكثير، لأسباب سياسية ومالية وأمنية متداخلة. ففي ذلك الوقت، ساهم تدفق سريع للمساعدات من دول عربية وإقليمية، إلى جانب حد أدنى من الاستقرار المالي والمؤسساتي داخل لبنان، في تسريع عمليات إعادة الإعمار نسبيًا. كما أن الوضع الاقتصادي حينها لم يكن قد دخل بعد في الانهيار الشامل الذي بدأ عام 2019.
أما في المرحلة الحالية، فتختلف الصورة جذريًا. فالدولة اللبنانية تعاني من أزمة مالية حادة وضعف في مؤسساتها، ما يحدّ بشكل كبير من قدرتها على إدارة مشاريع إعادة إعمار واسعة النطاق. كما أن الجهات المانحة تربط أي تمويل كبير بتنفيذ إصلاحات بنيوية تشمل القطاع المصرفي، مكافحة الفساد، تعزيز الشفافية، وضبط ملف السلاح غير الشرعي، إضافة إلى شروط تتعلق بالاستقرار الأمني في الجنوب.
إلى جانب ذلك، تبرز اعتبارات أمنية مباشرة، إذ تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن تمويل إعادة الإعمار يرتبط بوجود ترتيبات ميدانية مستقرة ووقف فعلي للتصعيد، تفاديًا لإعادة تدمير ما يتم بناؤه. كما أن حجم الأضرار في هذه الجولة من الحرب يفوق بكثير ما سُجل في السابق، حيث تُقدَّر الكلفة الإجمالية المطلوبة لإعادة الإعمار بين 20 و25 مليار دولار، في وقت تشهد فيه البيئة الإقليمية والدولية تراجعًا في القدرة على التمويل.
وتُظهر تقديرات اقتصادية حديثة أن الخسائر التراكمية منذ أواخر عام 2023 وحتى عام 2026 تجاوزت 20 مليار دولار، مع تسجيل أضرار مباشرة بمليارات إضافية في كل مرحلة من مراحل التصعيد. وتشمل هذه الخسائر قطاعات السكن والتجارة والصناعة والسياحة، إلى جانب البنى التحتية، والصحة، والزراعة، والتعليم، وإدارة النفايات والطاقة والمياه.
ويُعد القطاع السكني الأكثر تضررًا، حيث دُمّرت عشرات آلاف الوحدات السكنية كليًا أو جزئيًا، ما يضع ضغطًا إضافيًا على ملف النزوح الداخلي وإعادة الاستقرار الاجتماعي. كما لحقت خسائر كبيرة بالقطاعات الإنتاجية والخدمية، ما يعمّق الأثر الاقتصادي للأزمة ويطيل أمد التعافي.
في المقابل، تشير بيانات متداولة إلى أن حجم التعهدات الفعلية لإعادة الإعمار لا يزال محدودًا للغاية مقارنة بالحاجات المقدّرة، إذ لا تتجاوز بعض القروض والمنح الدولية مئات ملايين الدولارات، فيما تبقى المخصصات الحكومية الداخلية محدودة جدًا وتتركز على أعمال طارئة مثل إزالة الركام وبعض الترميمات الجزئية.
وعند مقارنة الوضع الحالي بتجربة إعادة الإعمار بعد حرب 2006، يتضح الفارق الكبير في البيئة السياسية والاقتصادية. فقد تميزت تلك المرحلة بوفرة نسبية في التمويل الخارجي، وتوافر قطاع مصرفي قادر على استيعاب التحويلات، إضافة إلى استقرار نسبي في سعر الصرف، ما سهّل تحويل التعهدات إلى مشاريع تنفيذية بسرعة. غير أن ذلك النموذج واجه لاحقًا تحديات تتعلق بضعف الحوكمة وتعدد قنوات التنفيذ وغياب خطة وطنية موحدة، ما حدّ من أثره التنموي طويل الأمد.
أما النموذج الحالي، فيتميز من جهة بتشدد أكبر في شروط الشفافية والحوكمة، لكنه من جهة أخرى يعاني من شحّ كبير في التمويل وضعف واضح في قدرة الدولة، ما يجعل عملية إعادة الإعمار محصورة عمليًا حتى الآن في مرحلة إزالة الركام وبعض التدخلات الطارئة.
وتُطرح في هذا السياق ثلاثة سيناريوات رئيسية لمصادر التمويل ومسار إعادة الإعمار:
الأول يرتبط بوقف شامل للحرب ضمن تسوية إقليمية واسعة، ما قد يفتح الباب أمام تدفقات مالية كبيرة ضمن تفاهمات دولية وإقليمية، شرط تحقيق استقرار سياسي وأمني داخلي.
الثاني يقوم على استمرار التوتر مع خفض مستوى التصعيد، ما يؤدي إلى تمويل محدود يتركز على الإغاثة وإصلاح الخدمات الأساسية، مع اعتماد أكبر على البلديات والمجتمع المحلي.
أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر سلبية، فيتمثل في استمرار الحرب بوتيرة منخفضة، ما يعني انكماش التمويل الخارجي إلى حدوده الدنيا، وحصر الجهود في الحد الأدنى من الدعم الإنساني، مع توسع دور القوى المحلية والمجتمع الأهلي في إدارة الأزمة، بما قد يفاقم الفوارق الاجتماعية والمناطقية.
في المحصلة، يبقى ملف إعادة إعمار لبنان في هذه المرحلة مرتبطًا بشكل مباشر بمسار الحرب وتطوراتها السياسية، أكثر مما هو مرتبط بحجم الدمار وحده، ما يجعل مستقبل الجنوبيين وسكان المناطق المتضررة معلّقًا على توازنات إقليمية ودولية لا تزال قيد التشكل.