يدخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، مع تزايد الحديث عن مفاوضات محتملة تتعلق بوقف الحرب وترتيبات المرحلة المقبلة، في وقت لم يعد فيه النقاش مقتصراً على مسألة التهدئة أو استمرار المواجهة، بل بات مرتبطاً بشكل مباشر بمستقبل التوازنات الداخلية وآلية إدارة العلاقة مع الضغوط الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، يبرز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الرافض لفكرة التفاوض المباشر أو الدخول في أي مسار تفاوضي تحت وقع العمليات العسكرية المستمرة، إذ تعتبر أوساط سياسية أن استمرار الغارات والضغوط العسكرية الإسرائيلية أثناء أي مفاوضات من شأنه أن يضع لبنان في موقع تفاوضي ضعيف، ويحوّل القوة العسكرية إلى وسيلة ضغط مباشرة لفرض شروط سياسية وأمنية.
وبحسب تقديرات جهات متابعة، فإن المطالبة بوقف إطلاق النار بشكل كامل قبل العودة إلى طاولة المفاوضات ترتبط بمحاولة منع تحويل المسار التفاوضي إلى عملية انتزاع تنازلات تدريجية تحت تأثير الضغوط الأمنية والاقتصادية والنفسية التي يعيشها لبنان.
لكن في المقابل، يواجه لبنان تحدياً يتعلق بقدرته الفعلية على رفض الانخراط في أي جولة تفاوضية جديدة إذا استمرت العمليات العسكرية والتصعيد الميداني. وترى مصادر سياسية أن الموقف الرسمي اللبناني يستطيع نظرياً التمسك بشرط وقف النار أولاً، إلا أن حجم الضغوط الدولية والإقليمية المتزايدة قد يدفع باتجاه تسريع المسار التفاوضي حتى في ظل استمرار التوتر.
وتشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى اللحظة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة رسم ترتيبات جديدة في المنطقة، مستفيدة من حالة الاستنزاف العسكري والسياسي المستمرة، فيما تسعى إسرائيل بدورها إلى تحسين شروطها التفاوضية عبر مواصلة الضغط الميداني، خاصة بعد تعثر تحقيق أهدافها المعلنة بشكل كامل منذ بداية الحرب.
وفي ضوء ذلك، تبدو قدرة لبنان على الحفاظ على موقف تفاوضي متماسك مرتبطة إلى حد كبير بمدى نجاح القوى السياسية في تجنب الانقسام الداخلي حول آلية إدارة المرحلة المقبلة. فوجود تباين بين الأطراف اللبنانية بشأن أولوية وقف النار أو شكل التفاوض قد يمنح إسرائيل مساحة إضافية لاستثمار الانقسامات الداخلية كورقة ضغط خلال أي مفاوضات مقبلة.
كما تبرز في هذا الإطار مؤشرات مرتبطة بالاتصالات الإقليمية الجارية، حيث تتحدث معلومات سياسية عن وجود توجه داخل محور المقاومة يدعو إلى ضرورة تثبيت وقف الحرب في لبنان، انطلاقاً من تقديرات تعتبر أن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل مخاطر سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة على الساحة اللبنانية.
وتشير قراءات سياسية إلى أن إيران، رغم انخراطها في صراع إقليمي واسع، تدرك حساسية الوضع اللبناني وتعقيداته الداخلية، سواء على المستوى الطائفي أو الاقتصادي، ما يدفع نحو تفضيل احتواء التصعيد ومنع انزلاق لبنان إلى انهيار شامل قد يؤدي إلى تداعيات يصعب ضبطها لاحقاً.
وفي الداخل اللبناني، تبدو مسألة توحيد الموقف السياسي من إدارة الأزمة أحد أبرز التحديات المطروحة حالياً، بعدما أظهرت الأشهر الماضية حجم الانقسام بين القوى السياسية بشأن كيفية التعامل مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية، وطبيعة العلاقة مع حزب الله خلال الحرب.
إلا أن التطورات الأخيرة أوحت بوجود نوع من إعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة، حيث بدأت بعض القوى السياسية تميل إلى مقاربة أكثر حذراً تقوم على تجنب أي مواجهة داخلية واسعة، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن أي انقسام حاد في هذه المرحلة قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الداخلي.
وفي هذا السياق، تتجه مواقف كل من الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام نحو التركيز على حماية الاستقرار الداخلي ومنع تفكك مؤسسات الدولة، مع الحرص على إبقاء قنوات التفاهم مفتوحة مع مختلف الأطراف السياسية، بما فيها حزب الله، لتجنب انزلاق البلاد إلى صدام داخلي واسع.
ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع الخلافات السياسية القائمة، أو تحول العلاقة بين الدولة والحزب إلى تفاهم كامل، إلا أن المرحلة الحالية تبدو محكومة بقدر من البراغماتية السياسية التي تفرضها طبيعة الأزمة وتعقيدات المشهد الإقليمي.
وترى أوساط سياسية أن الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الداخلي أصبح أولوية بالنسبة للرئاسة والحكومة، في ظل إدراك متزايد بأن أي انهيار داخلي أو مواجهة مفتوحة بين القوى اللبنانية سيؤدي إلى إضعاف الموقف اللبناني بشكل أكبر أمام الضغوط الخارجية والتطورات العسكرية المستمرة.