تتجه الأنظار إلى الجولة المرتقبة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وسط تصاعد المخاوف من دخول إيران على خط التعطيل عبر ربط الملف اللبناني بمفاوضاتها المعقدة مع الولايات المتحدة.
تشير تقديرات سياسية إلى أن طهران تحاول توسيع ساحات التفاوض وعدم حصر النقاش مع واشنطن في الملف النووي والبرنامج الصاروخي، عبر إدخال ملفات إقليمية إضافية، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية.
يأتي ذلك بالتزامن مع تحضيرات أمريكية لجولة محادثات مكثفة بين لبنان وإسرائيل يومي 14 و15 مايو/أيار، ضمن مسار تدعمه واشنطن لبحث ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد على الحدود الجنوبية.
تسعى الإدارة الأمريكية، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية، إلى بناء إطار لترتيبات “سلام وأمن دائمين” بين الطرفين، يشمل تثبيت الهدوء، وترسيم الحدود، واستعادة السيادة اللبنانية الكاملة، إضافة إلى فتح مسارات للإغاثة وإعادة الإعمار.
لكن أوساط سياسية ترى أن طهران تنظر إلى هذه المفاوضات بوصفها ورقة ضغط إضافية يمكن استخدامها في مواجهة الضغوط الأمريكية المتزايدة بشأن تخصيب اليورانيوم والنفوذ الإقليمي.
يرى مراقبون أن إيران ما تزال تتمسك بمبدأ “وحدة الساحات”، القائم على ربط الملفات الإقليمية بعضها ببعض، بهدف منع واشنطن من حصر التفاوض في القضية النووية فقط.
تعتبر طهران أن الساحة اللبنانية تمثل إحدى أبرز أوراقها التفاوضية، خصوصاً في ظل حضور حزب الله وتأثيره المباشر في المعادلة الأمنية والسياسية داخل لبنان.
يعتقد خبراء أن إيران تحاول استخدام الورقة اللبنانية لإطالة أمد التفاوض وكسب الوقت، في وقت تبدو فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر تشدداً تجاه مستقبل حزب الله ودوره العسكري.
تشير تقديرات إلى أن واشنطن تسعى إلى إعادة تثبيت مؤسسات الدولة اللبنانية وتقليص نفوذ حزب الله ضمن أي تسوية مستقبلية، وهو ما تعتبره طهران تهديداً مباشراً لنفوذها الإقليمي.
تتزايد المخاوف من أن يؤدي خلط الملفات إلى تعقيد المفاوضات الأمريكية الإيرانية من جهة، وتعطيل فرص التهدئة بين لبنان وإسرائيل من جهة أخرى.
ويذهب محللون أن طهران تلجأ كلما تعرضت لضغط مباشر في ملفي النووي والصواريخ إلى توسيع دائرة التفاوض عبر إدخال ساحات جديدة، بهدف تحسين شروطها السياسية وتخفيف الضغوط الدولية.
تبرز الساحة اللبنانية اليوم كأكثر الساحات قابلية للاستخدام في هذا السياق، نظراً للتوتر المستمر على الحدود الجنوبية وتعقيد التوازنات الداخلية اللبنانية.
يعتقد مراقبون أن إيران تراهن على إبقاء حالة الاشتباك السياسي والأمني قائمة بين لبنان وإسرائيل لمنع الوصول إلى تسوية نهائية قد تُضعف أوراق الضغط التي تمتلكها في المنطقة.
تبدو واشنطن حريصة على دفع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية إلى الأمام، باعتبارها جزءاً من مشروع أوسع لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي بعد التصعيد الأخير مع إيران.
تشمل الأهداف الأمريكية تثبيت وقف إطلاق النار، واحتواء التوتر الحدودي، وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية تمنع عودة المواجهات الواسعة في جنوب لبنان.
لكن المشهد يبقى شديد التعقيد، خصوصاً مع الانقسام اللبناني الداخلي حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل، ودور حزب الله، ومستقبل سلاحه.
ترتبط الحسابات الإيرانية بمستقبل نفوذها الإقليمي، في وقت تسعى فيه إلى تجنب أي تسوية قد تظهرها بموقع المتراجع أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
تحذر أوساط سياسية من أن فشل جولة واشنطن المرتقبة قد يعيد المنطقة إلى مرحلة التصعيد الأمني والعسكري، خاصة إذا استمرت عمليات خلط الساحات وربط الملفات الإقليمية ببعضها البعض.
ترى تقديرات أخرى أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة على إيران قد تدفعها في النهاية إلى القبول بتفاهمات مرحلية، حتى لو حاولت رفع سقف شروطها السياسية في المرحلة الحالية.
يبقى لبنان في قلب هذا التجاذب، بين ضغوط التفاوض، وحسابات إيران، والمساعي الأمريكية لفرض ترتيبات جديدة على الحدود الجنوبية، وسط مخاوف من تحوله مجدداً إلى ساحة صراع مفتوحة ضمن المواجهة الإقليمية الكبرى.