تصاعد الجدل السياسي داخل إسرائيل مع تحرك تشريعي يستهدف إلغاء اتفاقية أوسلو وجميع التفاهمات الموقعة مع الفلسطينيين، في خطوة قد تعيد تشكيل الواقع السياسي والأمني في الضفة الغربية والقدس، وتضع مستقبل السلطة الفلسطينية أمام أخطر تحدٍ منذ تأسيسها عام 1994.
طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأجيل المناقشات الوزارية لإجراء “دراسة متأنية”، بينما يواصل اليمين المتطرف داخل الائتلاف الحكومي الدفع نحو إقرار المشروع.
يستهدف مشروع القانون، الذي قدمته عضوة الكنيست ليمور سون هار ميليخ من حزب قوة يهودية، اعتبار جميع الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية “غير ملزمة” لإسرائيل.
يتضمن المشروع إلغاء التشريعات التي أُقرت لتنفيذ اتفاقية أوسلو، وإعادة الوضع القانوني والأمني في الضفة الغربية إلى ما كان عليه قبل عام 1993، أي التعامل مع الأراضي الفلسطينية باعتبارها خاضعة للحكم العسكري الإسرائيلي المباشر.
جرى توقيع اتفاقية أوسلو، المعروفة رسمياً باسم “إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي”، في واشنطن عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، بهدف الوصول إلى تسوية انتقالية مدتها خمس سنوات تمهد لإقامة دولة فلسطينية.
أدت الاتفاقية إلى إنشاء السلطة الفلسطينية وتقسيم الضفة الغربية، بموجب اتفاق “أوسلو 2” عام 1995، إلى ثلاث مناطق:
المنطقة “أ”: تخضع لسيطرة فلسطينية كاملة.
المنطقة “ب”: إدارة مدنية فلسطينية مع سيطرة أمنية إسرائيلية.
المنطقة “ج”: تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة وتشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.
يرى اليمين الإسرائيلي، بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، أن اتفاقية أوسلو “خطأ تاريخي”، وأن التطورات التي أعقبت 7 أكتوبر/تشرين الأول وفرت فرصة لإنهائها نهائياً.
يهدف المشروع، وفق الطرح اليميني، إلى إزالة القيود المرتبطة بالتوسع الاستيطاني في المناطق “أ” و”ب”، وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، ومنع أي مسار سياسي مستقبلي لإقامة دولة فلسطينية.
اعتبرت ليمور سون هار ميليخ أن الاتفاقيات “منحت القوة والسلاح والأراضي لعدو يسعى للقضاء على إسرائيل”، مطالبة بإنهاء هذه التفاهمات واستعادة “المسؤولية الأمنية والسيادية الكاملة”.
وصف بن غفير اتفاقية أوسلو بأنها “حماقة تاريخية”، متهماً السلطة الفلسطينية بدعم “الإرهاب”.
في حال إقرار القانون، قد تتحول السلطة الفلسطينية، وفق الرؤية الإسرائيلية، من “شريك تعاقدي” إلى كيان فاقد للشرعية القانونية والسياسية.
سيعني ذلك إسقاط شرعية وجود الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ومنح الجيش الإسرائيلي حرية العمل داخل المناطق “أ” من دون أي تنسيق أمني، مع اعتبار أي سلاح فلسطيني “غير قانوني”.
قد يفتح القانون الباب أمام مصادرة أموال المقاصة الفلسطينية وإغلاق مؤسسات السلطة بذريعة دعم “الإرهاب”.
يرى فلسطينيون أن الخطوة قد تؤدي إلى عودة الاحتلال المباشر بكل تفاصيله الإدارية والأمنية، عبر إعادة دور “الإدارة المدنية” التابعة للجيش الإسرائيلي في شؤون الحياة اليومية، من التصاريح إلى السفر والهوية والحركة.
ويتوقع مراقبون أن يقود إلغاء أوسلو إلى تسريع الاستيطان وابتلاع مزيد من الأراضي الفلسطينية، خصوصاً في المناطق “أ” و”ب” التي كانت تُعتبر سابقاً خارج نطاق التوسع الاستيطاني المباشر.
يُرجح كذلك تسارع عمليات تهويد القدس وعزلها عن محيطها الفلسطيني، بالتزامن مع زيادة الضغوط الاقتصادية والأمنية على السكان الفلسطينيين.
يتزامن المشروع مع استمرار عمليات الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وهو ما اعتبره رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح جزءاً من “جرائم الحرب والتطهير العرقي” بحق الفلسطينيين.
دعا فتوح المجتمع الدولي إلى مراجعة سياساته تجاه إسرائيل واتخاذ خطوات “عملية ورادعة” لوقف الانتهاكات المتواصلة.
تطرح الأوساط السياسية عدة سيناريوهات في حال إلغاء أوسلو، بينها:
توسيع الضم الإسرائيلي التدريجي للضفة الغربية.
اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة مع غياب الأفق السياسي.
انهيار مؤسسات السلطة الفلسطينية وخدماتها.
إنشاء إدارات محلية أو عشائرية بديلة بإشراف إسرائيلي.
زيادة الضغوط الاقتصادية والأمنية التي قد تدفع إلى هجرة فلسطينية متزايدة.
يؤكد مسؤولون في اليمين الإسرائيلي أن اتفاقية أوسلو “انتهت فعلياً”، وأن المطلوب الآن إنهاؤها قانونياً أيضاً.
أشار وزير العدل الإسرائيلي ياريف ليفين إلى أن تأجيل مناقشة المشروع لا يعني رفضه، مؤكداً دعمه لفكرة الترويج له مستقبلاً، مع الإشارة إلى نية توسيع الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية.