ترامب ونتنياهو.. صراع إدارة الحرب وحدود التسوية

2026.05.11 - 11:04
Facebook Share
طباعة

تتسع داخل الولايات المتحدة وإسرائيل مؤشرات التباعد السياسي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بعدما اصطدمت حسابات الحرب على إيران بواقع أكثر تعقيداً من التقديرات التي سبقت المواجهة.

 

فالحرب التي رُوّج لها باعتبارها عملية سريعة لإضعاف إيران وتحجيم نفوذها الإقليمي، تحولت تدريجياً إلى ملف استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي، مع اتساع الضغوط على أسواق الطاقة وارتفاع المخاوف من انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه.

 

تشير التقديرات السياسية في واشنطن إلى أن الإدارة الأمريكية بدأت تنظر بقلق إلى كلفة المواجهة الطويلة، تحديداً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية وحساسية الرأي العام تجاه الانخراط في حروب مفتوحة خارجية.

 

في المقابل، لا يزال نتنياهو يتمسك بمقاربة تقوم على استمرار الضغط العسكري والسياسي ضد إيران، انطلاقاً من قناعة داخلية إسرائيلية بأن الحرب الحالية تمثل فرصة لإعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط وتقليص نفوذ طهران وحلفائها.

 

هذا التباين خلق فجوة متنامية بين الطرفين، لا تتعلق فقط بإدارة العمليات العسكرية، بل بمستقبل المنطقة بعد الحرب وحدود التسويات الممكنة مع إيران.

 

رغم استمرار التحالف الإستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، فإن دوائر سياسية أمريكية باتت ترى أن إسرائيل تدفع أحياناً نحو توسيع المواجهة بوتيرة تتجاوز قدرة الإدارة الأمريكية على التحكم بنتائجها وتداعياتها الاقتصادية والأمنية.

 

كما تتزايد المخاوف الأمريكية من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى اضطراب طويل في أسواق النفط والطاقة، خاصة مع التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز والخليج العربي.

 

تعتقد أوساط سياسية أن ترامب بات أكثر ميلاً إلى احتواء التصعيد وفتح قنوات تفاوض غير مباشرة مع إيران، بهدف الوصول إلى تفاهمات مرحلية تمنع انزلاق المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة.

 

في المقابل، تخشى إسرائيل من أن يقود أي تخفيف للضغط العسكري إلى إعادة إحياء النفوذ الإيراني لاحقاً، وهو ما تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها ولمستقبل حكومة نتنياهو داخلياً.

 

هذا الخلاف ينعكس بصورة مباشرة على ملف التفاوض مع إيران، إذ تميل واشنطن إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على التهدئة التدريجية وربطها بضمانات تتعلق بالملاحة والبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي.

 

أما تل أبيب، فترى أن أي تسوية غير حاسمة ستمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية والسياسية.

 

داخل هذا المشهد، يبرز لبنان كأحد أبرز الملفات المتأثرة بالتباعد الأمريكي الإسرائيلي.

 

فالولايات المتحدة تدرك أن تثبيت الهدوء على الحدود الجنوبية للبنان وتحتاج إلى مسار سياسي أوسع يشمل العلاقة بين بيروت وتل أبيب ومستقبل دور حزب الله.

 

من هنا ظهرت رغبة أمريكية بالدفع نحو لقاء مباشر بين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزاف عون، باعتباره خطوة سياسية تحمل رسائل تتجاوز البعد البروتوكولي.

 

لكن الحسابات اللبنانية تبدو أكثر تعقيداً، إذ تخشى بيروت من أن يُفسر أي لقاء علني مع نتنياهو على أنه تنازل سياسي داخلي في ظل الانقسام الحاد داخل البلاد بعد الحرب الأخيرة.

 

كما ترتبط الحساسية اللبنانية بملفات السلاح ودور حزب الله والعلاقة مع إسرائيل، وهي قضايا لا تزال تشكل خطوطاً حمراء في التوازنات السياسية اللبنانية.

 

لذلك تميل المقاربة اللبنانية إلى تأجيل أي خطوة سياسية علنية، مع الإبقاء على قنوات الاتصال غير المباشر والتفاهمات الأمنية برعاية أمريكية.

 

يرى مراقبون أن واشنطن قد تستخدم الملف اللبناني بأكثر من اتجاه خلال المرحلة المقبلة.

 

السيناريو الأول يتمثل في ممارسة ضغوط على نتنياهو لدفعه نحو تقديم تنازلات أمنية أو سياسية تساعد على فتح قنوات تفاهم مع بيروت.

 

أما السيناريو الثاني، فيقوم على منح نتنياهو إنجازاً سياسياً في الملف اللبناني يخفف من حدة التوتر المتصاعد مع ترامب ويعيد ترميم العلاقة بين الطرفين.

 

في المقابل، ترى أوساط لبنانية أن أي انتقال سريع نحو لقاءات مباشرة أو مسار سياسي علني سيبقى صعباً في المدى القريب، بسبب هشاشة الوضع الداخلي اللبناني واستمرار التوتر على الحدود الجنوبية.

 

كما ترتبط الضغوط الأمريكية المحتملة على بيروت بملفات الدعم الاقتصادي والمساعدات الدولية والاستقرار الأمني، ما يجعل لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد بين الضغوط الخارجية والتوازنات الداخلية.

 

ويعتقد مراقبون أن الخلاف الحالي بين ترامب ونتنياهو يتجاوز البعد الشخصي، ليعكس صراعاً أوسع حول شكل الشرق الأوسط بعد حرب إيران، وكيفية إدارة النفوذ والتسويات والتحالفات في المرحلة المقبلة.

 

كما يرتبط هذا التباين بالحسابات الداخلية للرجلين؛ فترامب يسعى لتجنب حرب طويلة قد تتحول إلى عبء انتخابي داخلي، بينما يحتاج نتنياهو إلى استمرار حالة المواجهة للحفاظ على تماسك حكومته وتعزيز موقعه السياسي.

 

في ظل هذه المعادلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة انتقالية دقيقة، تتداخل فيها التهدئة المؤقتة مع احتمالات التصعيد، بينما تبقى إيران ولبنان في قلب التجاذب الأمريكي الإسرائيلي حول مستقبل الشرق الأوسط.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 6