معادلة معقدة بين السياسة والطاقة
رغم التحركات السياسية التي تقودها دمشق للانفتاح على الغرب واستعادة حضورها الإقليمي بعد سقوط نظام بشار الأسد، ما تزال سوريا تعتمد بشكل متزايد على النفط الروسي لتغطية احتياجاتها المحلية، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية وتداخل الاقتصاد بالحسابات الجيوسياسية. وبينما تحاول الحكومة السورية الجديدة إعادة بناء علاقاتها الدولية، تبرز موسكو باعتبارها المزود الأبرز للطاقة، ما يمنحها نفوذاً متصاعداً داخل قطاع حيوي يشكل عصب الاقتصاد السوري.
النفط الروسي يتصدر
تشير تقارير دولية وبيانات تتبع حركة السفن إلى أن روسيا أصبحت المورد الرئيسي لـ النفط الخام إلى سوريا، بعد تراجع الدور الإيراني الذي هيمن على هذا القطاع خلال سنوات الحرب. وارتفعت الإمدادات الروسية إلى نحو 60 ألف برميل يومياً خلال عام 2026، في وقت لا يتجاوز فيه الإنتاج المحلي السوري 35 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات داخلية تفوق هذا الرقم بأكثر من أربعة أضعاف.
ويعكس هذا التحول حجم الأزمة التي يعانيها قطاع الطاقة السوري، بعد سنوات من الحرب والعقوبات وتدمير البنية التحتية النفطية، ما جعل دمشق مضطرة للاعتماد على موسكو لتأمين الوقود وتشغيل الأسواق والخدمات الأساسية.
نفوذ عبر الاقتصاد
ويرى مراقبون أن الدور الروسي لم يعد يقتصر على الدعم العسكري أو السياسي، بل انتقل تدريجياً إلى “اقتصاد الضرورة”، حيث أصبح النفط أداة نفوذ مباشرة داخل المشهد السوري. فاعتماد دمشق على الإمدادات الروسية يمنح موسكو هامش تأثير واسع على القرار الاقتصادي السوري، خصوصاً مع محدودية البدائل وصعوبة جذب استثمارات غربية سريعة في قطاع الطاقة.
وفي المقابل، تحاول الحكومة السورية تحقيق توازن بين استمرار العلاقة مع روسيا والانفتاح على شركاء جدد، من بينهم دول خليجية وشركات غربية تسعى لاستكشاف النفط والغاز البحري في المياه الإقليمية السورية.
عقبات أمام البدائل
ورغم توقيع تفاهمات أولية مع شركات دولية، بينها مذكرة تعاون بين “شيفرون” الأميركية وشركة قطرية لتطوير مشاريع الطاقة البحرية، إلا أن هذه الخطوات ما تزال في مراحلها الأولى، وسط تحديات تتعلق بالعقوبات، وضعف البنية التحتية، وغياب الاستقرار الكافي لجذب استثمارات طويلة الأمد.
كما تواجه دمشق صعوبات مالية ولوجستية تعرقل قدرتها على تنويع مصادر الطاقة بسرعة، ما يبقيها مرتبطة عملياً بشبكات الإمداد الروسية في المدى المنظور.
الطاقة ترسم حدود الاستقلال
تكشف أزمة الطاقة في سوريا أن التحولات السياسية وحدها لا تكفي لإعادة رسم التحالفات، فبينما تتجه دمشق دبلوماسياً نحو الانفتاح على الغرب، يبقى اقتصادها معلقاً إلى حد كبير بالنفط الروسي. وفي ظل غياب بدائل سريعة وفعالة، تبدو موسكو مرشحة للحفاظ على نفوذ طويل الأمد داخل سوريا عبر بوابة الطاقة، في وقت يبقى فيه مستقبل التوازنات الإقليمية والدولية مفتوحاً على احتمالات متعددة.