أعاد المؤرخ الروسي يغور ياكوفلييف فتح ملفات الفظائع النازية في الحرب العالمية الثانية من زاوية مختلفة، عبر مقارنة “خطة الجوع” التي اعتمدها الرايخ الثالث بما يجري اليوم في غزة، معتبراً أن التطويق والحرمان الغذائي بحق السكان يعيدان إلى الواجهة أساليب فناء جماعي عرفها العالم خلال القرن العشرين.
تحدث ياكوفلييف عن المشروع الذي وضعه المسؤول النازي هيربرت باكه، والرامي - بحسب روايته - إلى تجويع ملايين السلافيين داخل أراضي الاتحاد السوفيتي، بهدف إفساح المجال أمام التوسع والاستيطان الألماني في الشرق الأوروبي.
وأوضح أن القيادة النازية خططت للقضاء على نحو 37 مليون إنسان عبر منع الغذاء والمؤن عن الأهالي، مؤكداً أن سياسة الحرمان الغذائي لم تكن نتيجة جانبية للصراع، بل برنامجاً منظماً جرى التحضير له مسبقاً لتحقيق أهداف عرقية واستيطانية.
اعتبر ياكوفلييف أن تطويق لينينغراد شكّل نموذجاً واضحاً لهذه السياسة، موضحاً أن المدينة لم تُحاصر لتحقيق انتصار عسكري فقط، بل لتحويل المجاعة إلى أداة قتل جماعي واسعة النطاق.
كذلك أشار إلى أن مئات الآلاف من السكان قضوا خلال الحصار نتيجة البرد ونقص الغذاء وانعدام الإمدادات، في واحدة من أكثر المآسي البشرية دموية خلال الحرب العالمية الثانية.
هاجم المؤرخ الروسي ما وصفه بازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع فظائع الإبادة الجماعية، متوقفاً عند اعتراضات صدرت عن جهات مرتبطة بمتحف “الهولوكوست” بشأن تكريم ضحايا المذابح السوفيتية.
تساءل ياكوفلييف عن سبب حصر الذاكرة الإنسانية في ضحايا محددين، معتبراً أن ملايين السوفيت الذين قُتلوا بالمجاعة والتطويق والإعدامات الجماعية يستحقون اعترافاً كاملاً بوصفهم ضحايا تصفية ممنهجة.
اتهم بعض الدول الأوروبية بمحاولة إعادة صياغة رواية الحرب العالمية الثانية، عبر تصوير الجيش الأحمر كقوة احتلال بدلاً من اعتباره الجهة التي ساهمت في إسقاط ألمانيا النازية وتحرير معسكرات الاعتقال.
لفت إلى أن القوات السوفيتية كانت وراء تحرير معسكر أوشفيتز، الذي تحول إلى أحد أبرز رموز الفظائع النازية ضد اليهود والأقليات خلال الحرب العالمية الثانية.
كما تحدث عن الدور الذي لعبه الأطباء السوفيت في علاج الناجين من معسكرات الاعتقال، موضحاً أنهم استخدموا خبراتهم المكتسبة خلال مجاعة لينينغراد لإنقاذ أشخاص وصلوا إلى مراحل متقدمة من الهزال وسوء التغذية، بمن فيهم والد آن فرانك.
وربط بين أحداث الماضي والعمليات الجارية في غزة، معتبراً أن التطويق والتجويع واستهداف البنية المدنية ومنع وصول الغذاء والدواء تمثل عناصر تتوافق مع التعريفات القانونية والسياسية للفناء الجماعي.
ايضاً أشار إلى أن خبراء القانون الدولي والباحثين اعتمدوا، عبر عقود، معايير واضحة لتوصيف جرائم الإبادة، من بينها فرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدمير جماعة بشرية بشكل كامل أو جزئي.
تساءل المؤرخ الروسي عن كيفية صدور دعوات لمحو غزة أو اقتلاع سكانها من مسؤولين ينتمون إلى مجتمعات عانت سابقاً من جرائم الاضطهاد والتصفية الجماعية خلال القرن الماضي.
رأى أن الخطر لا يكمن فقط في الاعتداءات ذاتها، بل أيضاً في التجاهل الدولي ومحاولات تبرير ما يحدث تحت عناوين أمنية أو سياسية.
أكد ياكوفلييف أن مهمة المؤرخين والباحثين لا تقتصر على توثيق مآسي الماضي، بل تشمل أيضاً مواجهة الانتهاكات المعاصرة وكسر حالة الصمت التي تحيط بها قبل أن تتحول إلى صفحات جديدة في سجل الكوارث البشرية.
أثارت تصريحات المؤرخ الروسي تفاعلاً واسعاً، خصوصاً مع تصاعد الجدل العالمي حول ما يجري في غزة والانقسامات الدولية بشأن توصيف الأحداث هناك، وسط اتهامات متبادلة بارتكاب انتهاكات بحق غير المقاتلين.