دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة الحساسية بعد الاشتباك العسكري الذي شهده مضيق هرمز مساء الخميس، في أخطر اختبار لاتفاق وقف إطلاق النار القائم منذ 8 أبريل/نيسان الماضي، وسط تبادل الاتهامات بين الجانبين بشأن الطرف الذي بدأ الهجوم.
التطورات الأخيرة أثارت مخاوف واسعة من انهيار التهدئة وعودة التصعيد العسكري إلى الخليج، خصوصاً مع أهمية مضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية.
وبدأت الأحداث، وفق الرواية الإيرانية، بعد استهداف أميركي لناقلة نفط وسفينة إيرانية قرب المضيق، الأمر الذي دفع القوات الإيرانية إلى الرد على السفن الحربية الأميركية الموجودة في المنطقة.
وقالت وكالة “تسنيم” شبه الرسمية نقلاً عن مصدر عسكري إن البحرية الإيرانية هاجمت ثلاث مدمرات أميركية بالصواريخ والطائرات المسيّرة قرب مضيق هرمز، مؤكدة تعرض القطع البحرية الأميركية لأضرار خلال المواجهة.
تزامنت الاشتباكات مع سماع انفجارات قوية في جزيرة قشم ومحيط بندر عباس، قبل أن تمتد لاحقاً إلى مناطق أخرى في إقليم هرمزغان ومدن جنوبية، إضافة إلى تسجيل اعتراضات جوية قرب العاصمة طهران، وفق وسائل إعلام إيرانية.
كما أعلن مقر خاتم الأنبياء الإيراني أن القوات الإيرانية استهدفت سفناً أميركية شرق المضيق وجنوب ميناء تشابهار، رداً على ما وصفه بـ”العدوان الأميركي” على مناطق ساحلية داخل إيران.
واتهم المقر الجيش الأميركي بتنفيذ غارات على مناطق مدنية في سواحل ميناء خمير وسيريك وجزيرة قشم، بالتعاون مع “دول في المنطقة”، من دون الكشف عن أسماء تلك الدول.
في المقابل، أعلنت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” أن القوات الإيرانية هي من بدأت الهجوم عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق سريعة باتجاه المدمرات الأميركية أثناء عبورها المضيق نحو خليج عُمان.
ووفق البيان الأميركي، تعرضت المدمرات “يو إس إس تراكستون” و”يو إس إس رافائيل بيرالتا” و”يو إس إس ماسون” لهجمات مباشرة، ما دفع القوات الأميركية إلى الرد على مصادر النيران الإيرانية.
وأضافت “سنتكوم” أن القوات الأميركية تمكنت من “تحييد التهديدات” عبر استهداف مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومراكز القيادة والسيطرة وعقد الاستخبارات والمراقبة التابعة للقوات الإيرانية.
كما شددت القيادة المركزية الأميركية على أن واشنطن لا تسعى إلى توسيع المواجهة، لكنها ستواصل حماية قواتها وقطعها البحرية في المنطقة.
وفي أول تعليق له، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إيران أطلقت صواريخ باتجاه المدمرات الأميركية، إلا أن الجيش الأميركي تمكن من إسقاطها “بسهولة”.
وأضاف ترامب أن الطائرات المسيّرة الإيرانية دُمّرت قبل وصولها إلى السفن، مؤكداً تدمير زوارق صغيرة تستخدمها إيران ضمن عملياتها البحرية في الخليج.
نقلت شبكة CBS News عن مسؤولين أميركيين أن السفن والطائرات الأميركية نفذت هجوماً “متعدد الطبقات” استمر لساعات، ضمن عملية رد واسعة على التحركات الإيرانية.
في المقابل، أعلن مقر خاتم الأنبياء أن القوات الإيرانية ألحقت “أضراراً كبيرة” بالسفن الأميركية التي شاركت في الهجوم، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن حجم تلك الأضرار.
لكن القيادة المركزية الأميركية نفت تعرض أي قطعة بحرية أميركية لأضرار أو إصابات، فيما قال ترامب لشبكة ABC إن المدمرات الثلاث خرجت من الاشتباك من دون خسائر.
وعلى الجانب الإيراني، أعلن التلفزيون الرسمي أن الضربات الأميركية على المدن والجزر الجنوبية لم تُسفر عن خسائر بشرية، مؤكداً عودة الأوضاع إلى طبيعتها في 13 مدينة بمحافظة هرمزغان والجزر الواقعة جنوب البلاد.
ورغم التصعيد العسكري، تمسكت واشنطن بالقول إن وقف إطلاق النار لا يزال قائماً، مع استمرار المحادثات الرامية إلى التوصل لاتفاق مع طهران.
ووصف ترامب الضربات الأخيرة بأنها “صفعة خفيفة”، لكنه لوّح في الوقت نفسه بتصعيد أكبر إذا لم توافق إيران سريعاً على اتفاق مع الولايات المتحدة.
وقال الرئيس الأميركي إن واشنطن “ستسحق الإيرانيين بقوة أكبر” إذا استمرت المواجهة، مضيفاً أن الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية سيظل قائماً.
كما هاجم إيران في تصريحاته، معتبراً أن “أي دولة طبيعية كانت ستسمح بمرور المدمرات الأميركية”، مضيفاً أن طهران “ليست دولة طبيعية”.
ويُعد هذا الاشتباك الثاني بين الجانبين منذ إعلان الهدنة، بعدما أعلن الجيش الأميركي الاثنين الماضي تدمير ستة زوارق إيرانية واعتراض صواريخ كروز وطائرات مسيّرة خلال محاولة إيرانية لإعاقة التحرك الأميركي في المضيق ضمن مبادرة “مشروع الحرية”.
وجاءت المواجهة الأخيرة بعد يوم واحد فقط من حديث ترامب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب مع إيران، رغم تهديده المتكرر بالعودة إلى القصف إذا رفضت طهران تقديم تنازلات.
عقب الاشتباك، قال ترامب إن الاتفاق “قد يحدث في أي يوم وقد لا يحدث”، مضيفاً أن الإيرانيين “يريدونه أكثر من واشنطن”، بحسب تعبيره.
في المقابل، أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده تراجع الرسائل الواردة من باكستان التي تتوسط في المفاوضات، لكنها لم تقدم حتى الآن رداً رسمياً على المقترح الأميركي الأخير.
وأشار بقائي إلى أن طهران لا تزال تدرس الخيارات المطروحة، في ظل استمرار الضغوط العسكرية والسياسية الأميركية.
أما إسرائيل، فلم تصدر موقفاً رسمياً بشأن الاشتباك، بينما نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مصادر قولها إن تل أبيب “لا علاقة لها بما يجري في إيران”.
كما أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن الاحتكاك العسكري بين إيران والولايات المتحدة “كان محدوداً وانتهى”، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع إذا تكررت الاشتباكات في المضيق خلال الأيام المقبلة.