تكشف التحركات السياسية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران عن انتقال واضح من مرحلة التصعيد العسكري إلى البحث عن تسوية تمنع الانفجار الشامل، بعدما أدرك الطرفان أن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل كلفة سياسية واقتصادية وأمنية يصعب تحملها على المدى الطويل.
فبعد أسابيع من القصف والتهديدات والتوترات البحرية في مضيق هرمز، بدأت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتحدث عن مذكرة تفاهم أولية تمهّد لمفاوضات تمتد 30 يوماً، تشمل البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية وحرية الملاحة البحرية والأصول الإيرانية المجمدة.
وبحسب ما أوردته صحف “هيل” و“تايمز” و“بوليتيكو” و“وول ستريت جورنال”، فإن واشنطن لا تبحث فقط عن اتفاق تقني، بل عن صيغة سياسية تسمح لترامب بإعلان “النصر” داخلياً بعد الحرب، من دون أن يظهر بمظهر المتراجع عن خطاب الحسم الذي تبناه منذ بداية الأزمة.
تشير التسريبات إلى أن الخطة المطروحة تقوم على اتفاق مختصر من صفحة واحدة أو مقترح من 14 بنداً، يتضمن تجميد تخصيب اليورانيوم الإيراني لفترة محددة، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة.
كما تتضمن الخطة إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز بصورة تدريجية، بعد التوترات التي هددت حركة النفط العالمية وأثارت مخاوف واسعة في أسواق الطاقة.
ويمثل المضيق أهمية استراتيجية كبرى، إذ تمر عبره نسبة تقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي تصعيد فيه تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي وأسعار الوقود والطاقة.
في موازاة الملف البحري، يبقى البرنامج النووي الإيراني العقدة الأكثر تعقيداً داخل المفاوضات، خصوصاً في ما يتعلق بنسبة التخصيب ومدة القيود المفروضة على النشاط النووي.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن إيران تمتلك مخزوناً من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، بينما يعتبر الوصول إلى نسبة 90% العتبة التقنية المطلوبة لإنتاج سلاح نووي.
تطالب واشنطن بوقف طويل الأمد لعمليات التخصيب قد يصل إلى 20 عاماً، مع فرض عمليات تفتيش مفاجئة وشاملة على المنشآت النووية الإيرانية.
في المقابل، تطرح طهران تجميداً مؤقتاً لا يتجاوز خمس سنوات، ما فتح الباب أمام مقترحات وسطية تتراوح بين 12 و15 عاماً.
ولا تقتصر الخلافات على مدة التخصيب فقط، بل تمتد إلى مصير مخزون اليورانيوم الإيراني، إذ تضغط الولايات المتحدة لنقل المواد المخصبة إلى دولة ثالثة أو إخراجها بالكامل من إيران، بينما تحاول طهران الحفاظ على جزء من قدراتها النووية باعتبارها “حقاً سيادياً”.
كما تشمل النقاشات مستقبل منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، وسط مطالب أميركية بتفكيك أجزاء أساسية من البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني.
وتستند الأصوات الأميركية المتشددة إلى تقديرات تعتبر أن أي اتفاق غامض سيمنح إيران فرصة لإعادة بناء برنامجها لاحقاً، لذلك تدفع نحو صيغة صارمة تتضمن حظراً طويلاً للتخصيب وتسليماً كاملاً للمخزون النووي.
وفي هذا السياق، برزت تصريحات مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، الذي شدد على أن اليورانيوم المخصب بنسبة 60% يمثل أولوية رقابية عالية، إضافة إلى ضرورة مراقبة الكميات المخصبة بنسب أقل.
لكن الأزمة لا ترتبط فقط بالجوانب التقنية، إذ تواجه إدارة ترامب معضلة سياسية داخلية تتعلق بكيفية تقديم أي اتفاق للرأي العام الأميركي.
فالرئيس الأميركي يريد الظهور بمظهر من فرض شروطه على طهران، خصوصاً بعدما أمضى سنوات في مهاجمة الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة باراك أوباما عام 2015، ووصفه بأنه “الأسوأ في التاريخ”.
في المقابل، تحتاج القيادة الإيرانية بدورها إلى مخرج يحفظ صورتها الداخلية، لأن توقيع اتفاق يبدو وكأنه استسلام مباشر للضغوط الأميركية قد يضعها أمام أزمة سياسية داخلية معقدة.
وتشير تقارير “بوليتيكو” إلى أن مسؤولين أميركيين وخليجيين يعتقدون أن طهران تحتاج إلى “حفظ ماء الوجه” تماماً كما تحتاجه واشنطن، وهو ما يجعل المفاوضات أكثر حساسية وتعقيداً.
كما ترى دوائر دبلوماسية أن الخطاب التصعيدي الذي استخدمه ترامب ضد إيران وقيادتها ساهم في رفع سقف الأزمة، وجعل أي تنازل يبدو سياسياً بمثابة هزيمة علنية.
وتحدثت التقارير عن أن بعض مستشاري الإدارة الأميركية كانوا يفضلون إبقاء المفاوضات بعيداً عن التصريحات الإعلامية الحادة، لكن أسلوب ترامب القائم على التهديد والتصعيد العلني ظل حاضراً طوال الأزمة.
أما في الجانب الاقتصادي، تمثل العقوبات الورقة الأكثر أهمية بالنسبة لإيران، إذ تتضمن المقترحات تخفيف القيود المفروضة على قطاعات النفط والطاقة والمصارف والشحن والطيران والتجارة.
كما تشمل المفاوضات الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، وهي أموال تعتبرها طهران ضرورية لإنعاش الاقتصاد المتضرر من العقوبات والحرب والتضخم وتراجع العملة المحلية.
ويرى مراقبون أن أي تخفيف للعقوبات قد يمنح الاقتصاد الإيراني متنفساً مهماً، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف أميركية وإسرائيلية من استعادة طهران جزءاً من قدرتها الاقتصادية والعسكرية والإقليمية.
تعكس هذه المفاوضات حجم التناقض داخل واشنطن بين الرغبة السياسية في إنهاء الحرب سريعاً، والحسابات الأمنية التي تدفع نحو اتفاق شديد الصرامة يمنع إيران من الاحتفاظ بأي قدرة نووية مستقبلية.
كما تكشف التحركات الحالية إدراكاً متزايداً لدى الطرفين بأن استمرار المواجهة المفتوحة قد يؤدي إلى انفجار إقليمي أوسع، خاصة مع حساسية أسواق الطاقة واتساع التوترات في المنطقة.
وفي ظل هذه الحسابات، يبدو الاتفاق المطروح أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة تمنح الجميع فرصة لإعادة التموضع، أكثر من كونه تسوية نهائية تنهي عقوداً من الصراع بين واشنطن وطهران.
ايضاً يذهب مراقبون إلى أن نجاح أي تفاهم سيبقى مرتبطاً بقدرة الطرفين على إنتاج رواية داخلية متوازنة؛ تسمح لترامب بإعلان النصر، وتمنح إيران مساحة لتقديم الاتفاق بوصفه تفاوضاً لا استسلاماً.
لكن بقاء الملفات الأكثر حساسية معلقة، مثل التفتيش النووي، ومدد التخصيب، والعقوبات، ومصير المخزون النووي، يجعل أي اتفاق محتمل هشاً وقابلاً للانهيار عند أول أزمة جديدة.