من الهدنة إلى التوغّل.. كيف تبدّلت حدود الجنوب اللبناني؟

2026.05.07 - 14:11
Facebook Share
طباعة

أعادت الحرب الأخيرة رسم المشهد الأمني على حدود لبنان الجنوبية بصورة غير مسبوقة منذ عام 2000، بعدما تحولت المنطقة الحدودية من خط فصل تراقبه الأمم المتحدة إلى ساحة مفتوحة للتوغلات العسكرية والدمار والتوتر المستمر، في ظل تغيّرات ميدانية فرضت واقعاً جديداً على جانبي الحدود.
ولأكثر من 23 عاماً، بقي الوصول المدني الإسرائيلي إلى الحدود اللبنانية محدوداً وحذراً بسبب المخاوف الأمنية، لكن المواجهات الأخيرة بدّلت المشهد بالكامل، مع انتشار القوات الإسرائيلية داخل مناطق لبنانية وظهور مصطلح “الخط الأصفر” إلى جانب “الخط الأزرق” الذي رسمته الأمم المتحدة عقب الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.

 

في المطلة، أقصى شمال إسرائيل، بدت آثار الحرب واضحة على المنازل والشوارع والبنية التحتية، حيث تحولت أجزاء واسعة من البلدة إلى مناطق شبه مهجورة بعد أشهر من القصف والإخلاء والتصعيد العسكري.

 

المباني المتضررة والسيارات المحطمة والطرقات الخالية عكست حجم التوتر الذي عاشته المنطقة خلال الأشهر الماضية، بينما تحاول بعض العائلات العودة تدريجياً إلى منازلها رغم استمرار المخاوف الأمنية.

 

ويشير تقرير عبري إلى أن إسرائيل باتت تفرض سيطرتها على مساحة تُقدّر بنحو 10 كيلومترات أو أكثر داخل الأراضي اللبنانية، رغم استمرار اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة قبل أسابيع.

 

ولم يعد “الخط الأزرق” الإطار الوحيد الفاصل بين الجانبين، بعدما برز “الخط الأصفر” بوصفه منطقة أمنية عازلة تفصل مواقع الانتشار الإسرائيلي عن المناطق اللبنانية الخارجة عن السيطرة العسكرية المباشرة.

 

هذا التحول الميداني يعكس، وفق متابعين، انتقال الحدود الجنوبية من مجرد خط مراقبة دولي إلى منطقة نفوذ عسكري متحركة تتحكم فيها الحسابات الأمنية والميدانية أكثر من التفاهمات السياسية.

 

تقول إسرائيل إن انتشارها العسكري يهدف إلى منع عودة عناصر حزب الله إلى القرى الحدودية، بينما تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن خطط تمتد حتى نهر الليطاني، مع منع السكان اللبنانيين من العودة إلى بعض البلدات الجنوبية إلى حين ضمان أمن المستوطنات الشمالية.

 

في المقابل، ترى الحكومة اللبنانية وحزب الله أن ما يحدث يشكل استمراراً للاحتلال وانتهاكاً للسيادة اللبنانية وخرقاً واضحاً لتفاهمات التهدئة ولقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بجنوب لبنان.

 

ويلفت التقرير إلى أن هذه هي المرة الأولى منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 التي تبقى فيها قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية بهذا الشكل وبهذا العمق الميداني، ما يثير مخاوف من تثبيت واقع أمني جديد على الحدود.

 

داخل المطلة، يؤكد نائب رئيس البلدية آفي ناديف أن السكان “لا يشعرون بوجود تهدئة حقيقية”، موضحاً أن دوي الانفجارات لا يزال جزءاً من الحياة اليومية نتيجة القصف والعمليات العسكرية المتواصلة داخل الجنوب اللبناني.

 

أما المزارع الإسرائيلي ليئور واينبرغ، فأشار إلى أن منزله تعرض لصاروخ مضاد للدروع، وأنه فقد أحد أصدقائه خلال المواجهات، معتبراً أن الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية خفف جانباً من التهديدات لكنه لم يُنهِها بالكامل.

 

وأضاف أن خطر الطائرات المسيّرة ما زال قائماً رغم تراجع عمليات إطلاق الصواريخ المضادة للدروع مقارنة بالأشهر السابقة، مشيراً إلى أن سكان الشمال الإسرائيلي لا يزالون يعيشون حالة قلق دائمة.

 

اقتصادياً، تكشف المشاهد في المطلة حجم الخسائر التي أصابت القطاعين السياحي والتجاري، إذ بقيت الفنادق والمطاعم والمتاجر مغلقة أو شبه متوقفة منذ عام 2023 بسبب المخاوف الأمنية واستمرار التوتر على الحدود.

 

وقال مدير أحد الفنادق المغلقة إن الغبار المتراكم داخل المبنى يلخص حال القطاع السياحي بأكمله، في ظل غياب الزوار وتراجع الحركة الاقتصادية واستمرار حالة عدم الاستقرار.

 

كما تأثرت الزراعة والأعمال الصغيرة بصورة كبيرة، بعدما اضطر كثير من السكان إلى مغادرة المنطقة لفترات طويلة، ما تسبب بخسائر مالية واسعة وتراجع النشاط الاقتصادي المحلي.

 

على الجانب اللبناني، تبدو الكلفة الإنسانية أكثر قسوة، مع تعرض القرى الحدودية لدمار واسع واستمرار الغارات وعمليات الهدم في عدد من المناطق الجنوبية.

 

وتشير تقارير إلى سقوط ضحايا مدنيين جراء الضربات الإسرائيلية، بينما تؤكد تل أبيب أن عملياتها تستهدف مواقع وبنى تحتية تابعة لحزب الله.

 

وتعاني القرى الجنوبية من أضرار كبيرة في المنازل والطرقات وشبكات الكهرباء والمياه، إضافة إلى نزوح آلاف العائلات التي لم تتمكن حتى الآن من العودة إلى مناطقها بسبب استمرار القصف والمخاوف الأمنية.

 

يرى مراقبون أن التحولات الحالية قد تفتح الباب أمام مرحلة طويلة من التوتر الحدودي، خصوصاً مع غياب تسوية سياسية واضحة واستمرار التباين بين إسرائيل ولبنان بشأن مستقبل المنطقة العازلة والوجود العسكري جنوب الليطاني.

 

ويخلص التقرير إلى أن الحدود الجنوبية لم تعد مجرد خط جغرافي يفصل بين لبنان وإسرائيل، بل تحولت إلى مساحة شديدة التعقيد تتداخل فيها الحسابات العسكرية والأمنية والسياسية، وسط غياب مؤشرات واضحة على نهاية قريبة للتصعيد أو عودة كاملة للحياة الطبيعية على جانبي الحدود.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 10