أعادت الحرب على قطاع غزة فتح نقاشات حساسة داخل إسرائيل حول طبيعة المشروع الصهيوني وحدود النقد السياسي، بعدما بدأت أصوات إسرائيلية تتحدث بصورة أكثر وضوحاً عن مسؤولية الدولة عن الدمار الإنساني في القطاع، وعن العلاقة بين الصهيونية والسياسات العسكرية الحالية.
ضمن هذا الجدل، خصّص الكاتب الإسرائيلي اليساري جدعون ليفي مقالاً مطولاً لمناقشة فكرة طالما اعتُبرت من المحرمات داخل المجتمع الإسرائيلي، وهي إمكانية أن يكون الإسرائيلي مناهضاً للصهيونية من دون أن يُعامل بوصفه خائناً أو خارجاً عن الإجماع الوطني.
استند ليفي إلى مقابلة مع المؤرخ الإسرائيلي الأميركي عومر بارتوف، المتخصص في دراسات الإبادة الجماعية والهولوكوست بجامعة براون، والذي توصّل بعد متابعة الحرب إلى أن إسرائيل ارتكبت “إبادة جماعية” في غزة.
رغم هذا التوصيف الحاد، أشار ليفي إلى أن بارتوف لا يزال متردداً في تعريف نفسه بوصفه مناهضاً للصهيونية، مع أنه يرى أن المشروع الصهيوني لم يعد قادراً على إنتاج “دولة طبيعية”، وأن استمراره يقود إلى مزيد من العنف والتفوق القومي والإقصاء.
يعتبر ليفي أن هذا التردد يعكس حجم التأثير الفكري والنفسي للصهيونية داخل الوعي الإسرائيلي واليهودي، بعدما تحولت من أيديولوجيا سياسية إلى ما يشبه “المحرّم الفكري” الذي يصعب انتقاده داخل إسرائيل.
كما يرى أن المجتمع الإسرائيلي تربّى لعقود على اعتبار الصهيونية جزءاً من الهوية الوطنية، ما جعل أي اعتراض عليها يُفسَّر بوصفه تهديداً لوجود الدولة أو خيانة جماعية.
يحاول الكاتب الفصل بين معاداة اليهود ومناهضة الصهيونية، مؤكداً أن رفض المشروع الصهيوني لا يعني بالضرورة عداءً لليهود، بل قد يكون اعتراضاً سياسياً وأخلاقياً على مشروع قام – بحسب رأيه – على إقصاء الفلسطينيين وإنكار وجودهم التاريخي.
كذلك يشدد على أن الصهيونية ليست فكرة مقدسة أو فوق النقد، بل أيديولوجيا سياسية مثل غيرها من الأيديولوجيات التي يمكن مراجعتها ومحاسبتها على نتائجها التاريخية والسياسية.
ولا يربط ليفي الأزمة الحالية فقط بحكومة بنيامين نتنياهو أو صعود اليمين المتطرف، بل يعيد جذورها إلى بدايات المشروع الصهيوني نفسه، معتبراً أن مفاهيم التفوق القومي والسيطرة على الأرض كانت حاضرة منذ المراحل الأولى لتأسيس الدولة.
في هذا السياق، يستحضر اسم يغال آلون، أحد قادة منظمة “البلماخ” الصهيونية، ويقارنه بوزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، في إشارة إلى أن الفارق بين الصهيونية التاريخية والخطاب اليميني الحالي ليس عميقاً كما يُقدَّم داخل إسرائيل.
ويرى ليفي أن الحرب على غزة كشفت بصورة أوضح المسار الذي وصلت إليه الدولة الإسرائيلية، بعدما تحولت العمليات العسكرية والدمار الواسع وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين إلى مادة سجال أخلاقي وسياسي حتى داخل الأوساط الإسرائيلية نفسها.
كما يعكس المقال اتساع مساحة الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، بين تيار يرى أن أي انتقاد للصهيونية يمس بشرعية الدولة، وآخر بدأ يتحدث عن ضرورة إعادة النظر في الأسس الفكرية والسياسية التي قامت عليها إسرائيل.
وتشير هذه النقاشات إلى تصاعد القلق داخل الأوساط الأكاديمية والحقوقية الإسرائيلية من العزلة الدولية المتزايدة، خاصة مع تصاعد الاتهامات المتعلقة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة بحق الفلسطينيين في غزة.
يعتقد مراقبون أن ظهور مثل هذه الطروحات داخل الصحافة الإسرائيلية يعكس تحولات تدريجية في طبيعة الخطاب العام، بعدما دفعت الحرب كثيراً من المثقفين والباحثين إلى إعادة فتح ملفات كانت تُعد من المحظورات السياسية والفكرية لعقود طويلة.
وفي ختام مقاله، يدعو ليفي إلى كسر ما وصفه بـ“الحظر الفكري” المفروض على مناهضة الصهيونية داخل إسرائيل، معتبراً أن استمرار منع النقاش حول طبيعة المشروع الصهيوني سيقود إلى مزيد من التطرف والانغلاق السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي.