تعيش عدن موجة أمنية مقلقة مع تصاعد عمليات الاغتيال والاستهداف المسلح، في تطور أعاد المخاوف من عودة المدينة إلى سنوات الفوضى التي رافقت الحرب في اليمن، وسط تعقيدات سياسية وصراعات نفوذ متشابكة.
شهدت المدينة خلال الأيام الماضية سلسلة عمليات أثارت قلقاً واسعاً، أبرزها اغتيال مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد داخل حي إنماء السكني، بعد اعتراض مسلحين لسيارته واختطافه تحت تهديد السلاح قبل تصفيته، في حادثة وثقتها كاميرات وأثارت موجة إدانات محلية ودولية.
جاءت العملية بعد أقل من أسبوعين على اغتيال القيادي في حزب الإصلاح عبد الرحمن الشاعر أمام مدرسته في مديرية المنصورة، عقب تعرضه لإطلاق نار مباشر من مسلحين فروا من المكان فور التنفيذ.
امتدت الهجمات إلى شخصيات عسكرية، إذ نجا القيادي في قوات العمالقة العميد حمدي شكري من محاولة اغتيال بسيارة مفخخة في مديرية دار سعد، بينما قُتل اثنان من مرافقيه، في مؤشر على تصاعد مستوى العمليات وأساليب تنفيذها.
أعلنت الأجهزة الأمنية في عدن مؤخراً ضبط خلية وصفتها بالإرهابية كانت تخطط لتنفيذ سلسلة اغتيالات تستهدف شخصيات اجتماعية ودينية، في محاولة لإثارة الفوضى وزعزعة الاستقرار داخل العاصمة المؤقتة.
تزامنت عودة الاغتيالات مع تصاعد التوتر بين مجلس القيادة الرئاسي اليمني والمجلس الانتقالي الجنوبي بعد الخلافات الأخيرة المرتبطة ببنية المجلس ونفوذه الأمني والعسكري في المحافظات الجنوبية.
يرى مراقبون أن التحولات السياسية داخل عدن انعكست بصورة مباشرة على الوضع الأمني، في ظل صراع متشابك بين مراكز القوى والتشكيلات المسلحة التي تملك نفوذاً واسعاً داخل المدينة.
لفتت العمليات الأخيرة الانتباه بسبب التغير الواضح في أساليب التنفيذ، إذ تجاوزت نمط الاغتيالات التقليدي الذي اعتمد سابقاً على الدراجات النارية والمسدسات كاتمة الصوت، لتظهر عمليات أكثر تنظيماً اعتمدت على سيارات مدنية ومسلحين بملابس عادية وتحركات دقيقة داخل مناطق تنتشر فيها نقاط التفتيش الأمنية.
أعادت هذه التطورات إلى الأذهان موجة الاغتيالات التي ضربت عدن بين عامي 2015 و2025، وطاولت رجال دين وقادة عسكريين وشخصيات سياسية وناشطين، وسط اتهامات متكررة بوجود شبكات منظمة تقف خلف تلك العمليات.
وثقت رابطة أسر ضحايا الاغتيالات نحو 250 عملية اغتيال في عدن ومحافظتي لحج وأبين منذ عام 2015، بينما رصدت منظمة “أكليد” الأميركية عشرات عمليات ومحاولات الاغتيال التي استهدفت شخصيات دينية وسياسية خلال السنوات الماضية.
تحدثت تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية عن انتهاكات ارتبطت بتشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، شملت اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري وإدارة سجون غير قانونية.
بدأت شخصيات يمنية متضررة التوجه نحو القضاء الدولي لملاحقة المتورطين في ملفات الاغتيالات والانتهاكات، حيث رُفعت دعاوى أمام محاكم أميركية ضد عناصر أمنية وشركات متهمة بالمشاركة في عمليات تصفية داخل اليمن.
تتعلق إحدى أبرز القضايا بمحاولة اغتيال رئيس حزب الإصلاح في عدن إنصاف مايو عام 2015، إضافة إلى قضية مقتل عبد الملك السنباني، وهو يمني يحمل الجنسية الأميركية، قُتل في محافظة لحج عام 2021.
يرى حقوقيون أن اللجوء إلى القضاء الدولي يعكس فقدان الثقة بقدرة المؤسسات القضائية المحلية على محاسبة المتورطين، في ظل استمرار نفوذ التشكيلات المسلحة وتداخل المصالح السياسية والأمنية.
تشير تقديرات سياسية إلى أن بعض القوى تسعى عبر هذه العمليات إلى إعادة خلط الأوراق وإظهار عدن كمدينة غير مستقرة، بما يخدم صراعات النفوذ القائمة في الجنوب اليمني.
تتحدث تحليلات أخرى عن دور محتمل لخلايا مرتبطة بـجماعة الحوثيين في تنفيذ أو دعم بعض العمليات، بالتوازي مع اتهامات موجهة إلى أطراف محلية تمتلك نفوذاً أمنياً داخل المدينة.
يضع استمرار الاغتيالات الحكومة اليمنية أمام تحديات معقدة، خصوصاً مع محاولاتها إعادة بناء الأجهزة الأمنية وفرض سيطرة مؤسسات الدولة داخل العاصمة المؤقتة، في ظل بيئة سياسية وعسكرية شديدة التشابك.
تثير عودة هذا النمط من العنف مخاوف متزايدة من انزلاق عدن مجدداً نحو مرحلة الاغتيالات المفتوحة، في وقت لا تزال فيه ملفات كثيرة من الجرائم السابقة معلقة من دون محاسبة أو نتائج قضائية حاسمة.