من الجولان إلى الليطاني.. كيف أعدت إسرائيل حرب لبنان؟

2026.05.06 - 19:31
Facebook Share
طباعة

شهد جنوب لبنان خلال الأشهر الأخيرة تصعيداً إسرائيلياً واسعاً تجاوز حدود الضربات الجوية التقليدية، مع تركيز مكثف على استهداف البنية التحتية والجسور والمعابر الحيوية فوق نهر الليطاني، في خطوة فتحت الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الأهداف الحقيقية للحملة العسكرية الإسرائيلية ومسارها الفعلي.

 

وفي 19 مارس/آذار 2026، تعرّض جسر الكنايات لغارة إسرائيلية ثانية أثناء وجود فريق لقناة روسيا اليوم في الموقع لتغطية آثار القصف الأول، ما أدى إلى إصابة المراسل البريطاني ستيف سويني والمصور علي رضا بشظايا، بينما دُمّر الجسر بالكامل.

 

وكشفت وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان لم تكن استجابة ميدانية مفاجئة، وإنما جزء من خطة جرى الإعداد لها خلال فترة الهدنة، عبر تدريبات ميدانية ومحاكاة قتالية وإنشاء منشآت تحاكي قرى الجنوب اللبناني بتفاصيل دقيقة.

 

واعتمدت المادة الاستقصائية على تحليل صور أقمار صناعية ومواد مفتوحة المصدر ومقاطع مصورة وبيانات جغرافية، إلى جانب صور من “غوغل إيرث” و“بلانت لابس” والقمر الراداري “سينتنيل-1”، بهدف تتبع التطور الزمني للمنشآت العسكرية ومسار العمليات البرية الإسرائيلية.
وتوصّل فريق الرصد إلى أن إسرائيل أنشأت منشأة تدريب عسكرية فوق أنقاض قرية زعورة السورية المهجورة في هضبة الجولان المحتلة، عند الإحداثيات 33°12′59.83″N 35°42′41.16″E، بهدف محاكاة القتال داخل قرى جنوب لبنان.

 

وزارة الدفاع الإسرائيلية أعلنت في 7 سبتمبر/أيلول 2025 افتتاح المنشأة رسمياً، ووصفتها بأنها “قرية نموذجية في جنوب لبنان”، تضم مباني متعددة الطوابق وشبكات أنفاق وشوارع ضيقة ومناطق تحاكي الأنقاض، لتدريب الوحدات القتالية على حرب المدن والاشتباكات داخل المناطق المدمرة.

 

تحليل صور الأقمار الصناعية أظهر أن الموقع ظل مهجوراً لعقود قبل أن تبدأ أعمال هندسية أولية في مارس/آذار 2013، مع ظهور طرق ترابية جديدة. وفي عام 2017 ظهرت منشآت مؤقتة وآليات هندسية، قبل أن تتوسع الأعمال بصورة كبيرة بين سبتمبر/أيلول 2024 وسبتمبر/أيلول 2025، حتى تحوّل المكان إلى مجمع تدريبي متكامل.

 

وبيّنت المعطيات أن الوحدات التي تدربت داخل المنشأة شاركت لاحقاً في العمليات البرية داخل جنوب لبنان، ومن بينها الفرقة 98 ولواء الكوماندوز واللواء السابع المدرع واللواء 401 المدرع.

 

كما وثّقت البيانات تدريبات إضافية أجرتها إسرائيل خلال فترة الهدنة، بينها مناورات نفذتها الفرقة 91 على الحدود اللبنانية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وُصفت بأنها الأكبر منذ بداية الحرب، وشملت تدريبات على القتال الهجومي واستدعاء قوات الاحتياط والتنسيق بين القوات البرية والجوية والبحرية.

 

وفي فبراير/شباط 2026، أي قبل أسابيع من التصعيد الواسع، عاد موقع زعورة للظهور مع تدريبات نفذها لواء ناحال، شارك فيها أكثر من 160 جندياً تدربوا على اقتحام مبانٍ وتفكيك متفجرات والانتقال بين المناطق المفتوحة والمبنية.

 

ميدانياً، أظهرت البيانات أن الجيش الإسرائيلي ركّز على عزل جنوب الليطاني عبر استهداف الجسور الرئيسية والمعابر الحيوية. ووثّقت وحدة التحقيقات الرقمية استهداف تسعة جسور على امتداد النهر.

 

بدأت الضربات في 12 مارس/آذار 2026 بقصف جسر ثانوي في وادي حجير وتدميره بالكامل، ثم استهداف جسر الزرارية الرئيسي في 13 مارس/آذار، وهو معبر حيوي يربط صور وبنت جبيل والنبطية والزهراني.

 

وفي 18 مارس/آذار، استُهدف جسر الكنايات للمرة الأولى، قبل تدميره بالكامل في اليوم التالي أثناء وجود فريق “روسيا اليوم”.

 

تواصلت العمليات في 22 مارس/آذار مع قصف جسر الطريق الساحلي الرئيسي بين صور وصيدا وبيروت مرتين في يوم واحد حتى تدميره كلياً، ثم جسر الدلافة الذي يربط حاصبيا بالبقاع الغربي خلال يومي 23 و24 مارس/آذار.

 

لاحقاً، أعلن الجيش الإسرائيلي في 7 أبريل/نيسان استهداف جسرين إضافيين شرقاً، بينما تعرّض جسر القاسمية، أحد أهم المعابر الساحلية بين صور وصيدا، للتدمير التدريجي بين 8 و16 أبريل/نيسان.

 

ومن أصل تسعة جسور جرى توثيق استهدافها، دُمّر ستة بالكامل، بينما تعرّض واحد لتدمير جزئي، وتعذر تحديد حجم الأضرار في جسرين آخرين.

 

وكشفت المعطيات أن جسر الخردلي بقي صالحاً للاستخدام الجزئي رغم قصف الطريق المؤدي منه باتجاه النبطية، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على احتفاظ القوات الإسرائيلية بممر يمكن استخدامه لاحقاً في عمليات برية أوسع شمال الليطاني.

 

التقدم البري الإسرائيلي جرى عبر عدة محاور، بمشاركة خمس فرق عسكرية هي 146 و91 و98 و162 و36، إضافة إلى الفرقة 210 القادمة من الجولان المحتل.

 

وأظهرت الخرائط وتحليل المقاطع المصورة وصول القوات الإسرائيلية إلى عمق يقارب 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية في بعض النقاط، من بينها طيبة والبياضة وكفركلا وصف الهوا وبيت ليف، مع السيطرة النارية على طرق رئيسية تربط القرى الحدودية ببعضها.

 

وفي 15 أبريل/نيسان 2026، أعلن الجيش الإسرائيلي حصار منطقة بنت جبيل بواسطة الفرقة 98، وهي المدينة التي تبعد نحو خمسة كيلومترات عن الحدود وتحمل رمزية كبيرة لدى حزب الله.

 

وربطت المعطيات بين هذا التقدم البري وما أطلقت عليه إسرائيل اسم “الخط الأصفر”، وهو نطاق فرضت داخله قيوداً واسعة على عودة السكان، في خطوة مشابهة للسياسة التي استخدمت سابقاً في قطاع غزة.

 

صور القمر الراداري “سينتنيل-1” أظهرت أن عمليات التدمير الواسعة للمباني تركزت جنوب هذا الخط، خاصة في القرى غير المسيحية، حيث تعرضت بلدات مثل عيتا الشعب وبيت ليف وحنين ورشاف لتدمير شبه كامل.

 

ورغم ذلك، امتدت عمليات القصف والتجريف إلى قرى مسيحية أيضاً، بينها دبل والقليعة، لكن بدرجة أقل. وفي دبل دُمّر ما لا يقل عن 12 منزلاً، بينما سيطرت القوات الإسرائيلية على ملعب رياضي وحولته إلى نقطة لوجستية.

 

أما في القليعة، فقد أثارت حادثة مقتل الكاهن بيار الراعي في 9 مارس/آذار جدلاً واسعاً، بعدما نشر الجيش الإسرائيلي لاحقاً مقطعاً مصوراً قال إنه يبرر الضربة، قبل أن يثبت تحليل جغرافي أن الفيديو يعود إلى بلدة أخرى مجاورة.

 

بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أظهرت أن عدد النازحين تجاوز 1.2 مليون شخص بحلول 19 مارس/آذار 2026، أي ما يقارب 20% من سكان لبنان، بينما شملت أوامر الإخلاء نحو 1470 كيلومتراً مربعاً، أي حوالي 14% من مساحة البلاد.

 

وخلصت النتائج إلى أن إسرائيل حاولت تطبيق نسخة معدلة من نموذج غزة في جنوب لبنان، تقوم على التقدم البري البطيء، وتثبيت السيطرة، ثم تدمير المناطق الواقعة تحت السيطرة لإنشاء حزام أمني واسع جنوب الليطاني.

 

في المقابل، واصل حزب الله تنفيذ عمليات عبر مجموعات صغيرة وطائرات مسيّرة وأسلوب حرب العصابات، مع استخدام مسيّرات تعمل بالألياف الضوئية لتفادي التشويش، الأمر الذي جعل عزل الجنوب وإبطاء الحركة ممكناً، لكنه لم ينجح في إنهاء قدرة الحزب على القتال أو المناورة الميدانية.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 9