مشهد معقّد بين التهدئة والتصعيد
في ظل واقع داخلي شديد الحساسية، تتكثف التحركات السياسية والأمنية في لبنان للحفاظ على الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهة واسعة، بالتزامن مع تصاعد مؤشرات على توجه إسرائيلي لتوسيع عملياتها العسكرية، ما يضع البلاد أمام مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية.
مفاوضات مرتقبة: تثبيت وقف النار أولاً
وبين الجهود المحلية والمساعي الدولية، يستعد لبنان لجولة ثالثة من المفاوضات مع إسرائيل في واشنطن، على أن تركز بشكل أساسي على تثبيت وقف إطلاق النار، قبل الانتقال إلى أي مرحلة تفاوضية أوسع أو تحديد مواعيد لاحقة.
حراك دولي: عودة الدور الفرنسي
في موازاة ذلك، يكتنف الغموض مصير الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية جوزيف عون إلى واشنطن، فيما تعود الدبلوماسية الفرنسية إلى الواجهة عبر زيارة منتظرة للموفد جان إيف لودريان إلى بيروت خلال الأيام المقبلة، حيث سيبحث مع المسؤولين سبل تثبيت التهدئة وتعزيز الاستقرار، إلى جانب إعادة تفعيل الدعم الدولي للجيش اللبناني.
موقف واشنطن: دعم استمرار الحوار
وفي سياق متصل، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن بلاده ستواصل جهودها لضمان استمرار الحوار بين لبنان وإسرائيل، بما يساهم في تحقيق تقدم على صعيد تثبيت وقف إطلاق النار.
موقف الرئاسة: التفاوض خيار وحيد
داخلياً، شدد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون على أن تداعيات الحرب في الجنوب تنعكس على كامل البلاد، معتبراً أن الوقت حان لوقف دوامة التصعيد. وأكد تمسكه بخيار التفاوض كمسار وحيد متبقٍ، مشيراً إلى أن أي لقاء مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يتم إلا ضمن إطار تتويج لمسار تفاوضي واضح المعالم.
أولوية الجيش: دعوة لتوحيد الموقف
كما جدد عون دعوته إلى تمكين الجيش اللبناني من تولي كامل المسؤوليات الأمنية في الجنوب، باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة المخولة حفظ الأمن، داعياً إلى الالتفاف حول المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ومحذراً من أن أي توتر طائفي لن يخدم سوى إسرائيل، مؤكداً أن السلم الأهلي خط أحمر.
انقسام داخلي: خلاف حول التفاوض
في المقابل، يبرز انقسام سياسي واضح حيال المسار التفاوضي، حيث يرفض فريق فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل ويدعو إلى حصره في الإطار التقني وغير المباشر، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية وعدم تثبيت وقف فعلي لإطلاق النار.
في حين يرى فريق آخر أن التفاوض الذي تقوده الدولة يتمتع بشرعية دستورية، وأن التشكيك به يطعن بدور المؤسسات الرسمية.
الميدان: احتمالات توسع العمليات
ميدانياً، تتزايد التقديرات بأن الضربات الإسرائيلية قد تتجاوز الجنوب في حال انهيار التهدئة الإقليمية، لا سيما في ظل التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، وسط تقارير عن مساعٍ إسرائيلية لتخفيف القيود الأميركية بهدف توسيع نطاق العمليات شمال نهر الليطاني.
ملفات داخلية: عفو عام وتوتر سياسي
على الصعيد التشريعي، ناقشت اللجان المشتركة في مجلس النواب مشروع العفو العام، في أجواء مشحونة نتيجة الخلافات حول شمول جرائم الإرهاب والجرائم المالية والتجسس والمخدرات.
الأمن والاقتصاد: إجراءات موازية
أمنياً، يواصل الجيش اللبناني تنفيذ مداهمات لملاحقة مطلقي النار في عدة مناطق، حيث أوقف عدداً من المتورطين وصادر أسلحة وذخائر.
مالياً، أصدر مصرف لبنان تعميماً جديداً يهدف إلى تعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكتروني وتقليص الاعتماد على النقد، محدداً سقوفاً لعمولات التجار، ومنع فرض رسوم إضافية على المستهلكين، في خطوة تستهدف تنظيم السوق وتعزيز الشفافية.
بين خيارين حاسمين
في ظل هذا المشهد المتشابك، يقف لبنان أمام مفترق دقيق بين مسار التهدئة ومسار التصعيد، حيث تبقى نتائج المفاوضات المرتقبة والتطورات الميدانية العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت البلاد تتجه نحو احتواء الأزمة… أم نحو مرحلة أكثر خطورة.