يرسم موقف رئيس الجمهورية في لبنان جوزاف عون إطارًا سياسيًا متكاملًا للمرحلة الراهنة، يقوم على تثبيت خيار التفاوض كمسار إلزامي لا يمكن التراجع عنه، بالتوازي مع ضبط التوازنات الداخلية ومنع انزلاق الساحة إلى مزيد من التوتر. التوجه يعكس قراءة دقيقة لطبيعة المرحلة، حيث تتقاطع الضغوط الإقليمية مع هشاشة الوضع الداخلي، ما يجعل أي خيار بديل مكلفًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
الإصرار على أن “لا خيار آخر” يرتبط بإدراك محدودية الأدوات المتاحة لفرض الوقائع ميدانيًا، في ظل اختلال ميزان القوى وتعدد الأطراف المؤثرة. لذلك يبرز التفاوض كخيار واقعي لإدارة الأزمة وتقليل الخسائر، وليس كمسار سريع نحو تسوية شاملة. الأهداف المعلنة، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الأسرى، تبقى مرتبطة بمعادلات إقليمية تتجاوز القرار اللبناني المباشر.
في المقابل، يكتسب ربط أي لقاء مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بتحقيق تقدم أمني دلالات سياسية واضحة. الشرط يحدد سقف التحرك ويمنع الانزلاق إلى مسار تطبيعي غير متوازن، كما يوفر غطاءً داخليًا في مواجهة أي اعتراضات محتملة، خصوصًا في بيئة سياسية حساسة تجاه أي انفتاح غير مشروط.
الحديث عن رعاية أميركية للمفاوضات، في ظل اهتمام من الرئيس دونالد ترامب، يشير إلى رهان على دور خارجي قادر على الدفع بالمسار قدمًا. غير أن الرهان يبقى محكومًا بعوامل متعددة، أبرزها أولويات واشنطن وحدود انخراطها في ملف معقد تتداخل فيه اعتبارات الأمن والطاقة والتوازنات الإقليمية.
داخليًا، يتقدم عامل الاستقرار كشرط أساسي لنجاح أي مسار تفاوضي. الدعوة إلى تعزيز الوحدة الوطنية والالتفاف حول المؤسسات، ولا سيما الجيش، تحمل بعدًا وقائيًا يهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية. فالتفاوض من موقع هش يقلّص القدرة على المناورة ويضعف موقع لبنان في أي تسوية محتملة.
كما يكتسب استمرار التواصل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري أهمية خاصة، باعتباره جزءًا من إدارة التوازنات داخل السلطة. التنسيق يعكس إدراكًا بأن الانقسام الداخلي قد يتحول إلى عنصر إضعاف إضافي في لحظة تفاوضية دقيقة، ما يستدعي الحفاظ على حد أدنى من التفاهم بين القوى الأساسية.
في البعد الأوسع، يرتبط المسار التفاوضي بتطورات إقليمية متسارعة، حيث تتداخل الحسابات اللبنانية مع صراعات أوسع تشمل ملفات الطاقة والممرات البحرية وترتيبات الأمن. الترابط يفرض التحرك ضمن هامش ضيق يوازن بين الاستفادة من الفرص وتجنب الانخراط في صراعات أكبر.
في المحصلة، يعكس الخطاب الرئاسي مقاربة براغماتية تقدّم الدبلوماسية كأداة رئيسية لإدارة مرحلة معقدة، في ظل محدودية الخيارات الأخرى. المشهد يشير إلى مسار تفاوضي طويل، تتحدد نتائجه وفق توازنات داخلية دقيقة وتطورات إقليمية متحركة، ما يجعل أي تقدم محتمل تدريجيًا ومشروطًا بعوامل متعددة.