جنوب لبنان.. من القصف إلى التلوث حرب تطال مقومات الحياة

2026.05.04 - 16:18
Facebook Share
طباعة

لم يعد قياس الحرب في جنوب لبنان يقتصر على عدد الغارات أو حجم الدمار العمراني، بل بات يرتبط بتداعياتها العميقة على البيئة نفسها. فالأراضي الزراعية، والغابات التي شكّلت غطاءً طبيعياً، ومصادر المياه التي حافظت على دورة الحياة، أصبحت جميعها ضمن نطاق التأثير المباشر. وتشير معطيات حديثة صادرة بين عامي 2025 و2026 عن جهات أممية ومراكز بحثية إلى أن ما حدث تجاوز كونه أضراراً جانبية، ليتحوّل إلى تدمير واسع يمسّ الأسس الحيوية للحياة في الجنوب.


حجم الضرر البيئي والزراعي بالأرقام
تفيد تحديثات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وتقارير تقييم الأضرار بتضرّر أو احتراق أكثر من ألفي هكتار من الأراضي، معظمها من الغابات، إلى جانب مئات الهكتارات الزراعية التي أصيبت بشكل مباشر. غير أن المؤشر الأبرز لا يقتصر على المساحات المتضررة، بل يتمثل في تعطّل الإنتاج الزراعي على نطاق أوسع، مع تسجيل هجر أو توقف العمل في أكثر من 12 ألف هكتار في منطقتي الجنوب والنبطية. ويعني ذلك خروج مساحات واسعة من الدورة الإنتاجية، بما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي. وتُقدَّر الخسائر الزراعية بمئات ملايين الدولارات، فيما يُقدَّر الضرر البيئي بنحو 200 مليون دولار، ما يعكس حجم التأثير على هذا القطاع.


الفوسفور الأبيض وتأثيراته طويلة الأمد
تُظهر البيانات المحدثة حتى عام 2026 أن استخدام الفوسفور الأبيض لم يكن محدوداً بحوادث معزولة، إذ وثّقت منظمات حقوقية استخدامه في عدد من البلدات الجنوبية، بينما سجّل المجلس الوطني للبحوث العلمية مئات الحالات التي طالت مساحات زراعية واسعة. ولا تقتصر خطورة هذه المادة على الحرائق التي تتسبب بها، بل تمتد آثارها إلى التربة والمياه، حيث تترك مركّبات قد تؤثر على خصوبة الأرض وتضر بالكائنات الدقيقة، مع احتمال انتقال التلوث إلى المياه الجوفية. وبذلك يتحول الضرر من حدث آني إلى أزمة بيئية ممتدة.


التلوث الكيميائي: تصعيد غير مرئي
في عام 2026، برزت تقارير تشير إلى استخدام مواد كيميائية في الأراضي الزراعية، بينها مبيدات بتركيزات مرتفعة. وأظهرت نتائج الفحوصات مستويات تفوق المعدلات الطبيعية بعشرات المرات، ما يثير مخاوف بشأن تلوث التربة والمياه وسلسلة الغذاء. ويعكس هذا التطور انتقال التأثير من الأضرار المباشرة إلى أشكال أكثر تعقيداً من التلوث، قد تظهر تداعياتها على المدى البعيد في الإنتاج الزراعي وصحة السكان.


الغابات والتنوع الحيوي: خسارة طويلة المدى
أدت الحرائق التي طالت مساحات واسعة من الغابات، بما فيها أشجار معمّرة، إلى تراجع ملحوظ في الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي. وتُعد هذه الخسارة من النوع الذي يحتاج سنوات طويلة، وربما عقوداً، للتعافي. ولا يقتصر الأمر على عدد الأشجار المتضررة، بل يشمل اختلال منظومة بيئية متكاملة تمتد من التربة إلى الكائنات الحية المرتبطة بها.


الزراعة والأمن الغذائي: تداعيات وطنية
تشير الدراسات إلى أن الجنوب يساهم بنحو ربع الإنتاج الزراعي في لبنان، ما يجعل أي تراجع فيه ذا انعكاسات على المستوى الوطني. ويؤدي انخفاض الإنتاج وهجر الأراضي واحتراق المحاصيل إلى زيادة الضغط على الأمن الغذائي، في ظل أزمة اقتصادية قائمة. كما أن تعافي القطاع الزراعي يتطلب وقتاً وإمكانات، قد لا تكون متوفرة بسهولة.


البيئة كعامل ضغط متزايد
عند جمع هذه المؤشرات، يبرز نمط يتجاوز الطابع العشوائي، حيث يؤدي استهداف الغابات وتضرر الأراضي الزراعية والتلوث المحتمل إلى تأثير تراكمي يجعل بعض المناطق أقل قابلية للحياة. وفي هذا السياق، تتحول البيئة من متضرر مباشر إلى عنصر مؤثر في مسار النزاع، إذ يرتبط استقرار السكان بقدرة الأرض على الاستمرار.


آثار ممتدة تتجاوز زمن الحرب
لا تتوقف تداعيات الحرب في الجنوب عند توقف العمليات العسكرية، بل تمتد إلى التربة التي تحتاج سنوات لاستعادة خصوبتها، والمياه التي قد تتأثر بالتلوث، والغابات التي تتطلب عقوداً للتجدد. ويعكس هذا الامتداد الزمني طبيعة أزمة بيئية مستمرة، تجعل ما جرى يتجاوز كونه دماراً محدوداً إلى تأثير عميق على بنية الحياة نفسها، حيث تتحول الأرض إلى مساحة هشّة تحتاج إلى جهود طويلة لاستعادة توازنها. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 8