شهدت القاهرة انعقاد مشاورات رسمية بين مصر وسوريا على مستوى وزيري الخارجية، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ما يعكس بداية تحرك دبلوماسي جديد بين البلدين بعد سنوات من الجمود.
وجاءت هذه المشاورات بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني، وسط توقعات بأن تحمل مؤشرات تقارب تتجاوز حالة التوقف التي سادت العلاقات خلال الفترة الماضية، مع ترجيح أن يكون المسار الاقتصادي هو المدخل الأساسي لإعادة بناء العلاقات.
وتأتي هذه التطورات بعد اتصال وُصف بالودي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره السوري أحمد الشرع في قبرص قبل نحو أسبوع، وفق ما نقلته وسائل إعلام في البلدين. كما سبق ذلك لقاء مباشر بين الجانبين على هامش القمة العربية الطارئة في القاهرة في مارس 2025، إضافة إلى اجتماع آخر خلال القمة التشاورية العربية الأوروبية في قبرص نهاية أبريل الماضي.
وتعد زيارة وزير الخارجية السوري الحالية إلى القاهرة أول زيارة رسمية من نوعها منذ بداية التحول السياسي في دمشق، في حين كان أول اتصال رسمي بين وزيري خارجية البلدين قد جرى في 31 ديسمبر 2024، ما يشير إلى تسلسل تدريجي في إعادة فتح قنوات التواصل.
وبحسب معطيات متداولة، فإن التحرك بين القاهرة ودمشق ظل حذراً خلال الفترة الماضية، خاصة بسبب مخاوف مصرية تتعلق بملف العناصر المسلحة، قبل أن يتجه تدريجياً نحو تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الطرفين.
وفي سياق متصل، شهد مطلع عام 2026 زيارة وفد تجاري مصري إلى العاصمة السورية دمشق، وهي الأولى منذ نحو خمسة عشر عاماً، حيث ناقش الجانبان فرص التعاون الاقتصادي خلال ملتقى مشترك. كما تم توقيع مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، تتضمنان التعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا بهدف دعم إنتاج الكهرباء.
وتشير مصادر إعلامية سورية إلى أن هذه الزيارة تعكس حراكاً دبلوماسياً متزايداً بين البلدين، ومرحلة اختبار لإمكانية إعادة تنشيط العلاقات بعد فترة طويلة من التعثر، لا سيما في ما يتعلق بملف اعتماد التمثيل الدبلوماسي بشكل كامل.
وفي إطار التطورات الاقتصادية، جرى الإعلان عن تشكيل مجلس الأعمال السوري المصري بقرار صادر عن وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار، حيث تم تعيين غسان كريم رئيساً للمجلس. ويأتي هذا القرار ضمن تنظيم أوسع لمجالس الأعمال المشتركة مع دول أخرى، على أن يكون هذا المجلس المعتمد رسمياً هو الجهة الوحيدة المعنية بالتنسيق الاقتصادي بين البلدين.
ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي أن زيارة وزير الخارجية السوري تمثل مؤشراً إيجابياً على تحرك تدريجي لكسر الجمود، معتبراً أن أي تطور في مستوى التمثيل الدبلوماسي سيظل مرتبطاً بتحسن الملفات الأمنية والمؤسسية داخل سوريا، خصوصاً ما يتعلق باستقرار الدولة وضبط الوضع الأمني.
ويضيف حجازي أن المجال الاقتصادي قد يشكل نقطة الانطلاق الأساسية للتقارب، عبر ملفات مثل إعادة الإعمار والطاقة والتجارة وبناء القدرات، وهو ما قد يسهم في تعزيز الثقة بين الجانبين.
من جانبه، يرى المحلل السياسي السوري عبد الله الحمد أن الزيارة تمثل تحولاً مهماً في معالجة التخوفات المصرية السابقة، وتفتح الباب أمام تقارب أوسع مع دولة ذات ثقل إقليمي. كما أشار إلى أن الاقتصاد سيبقى المسار الأهم في إعادة بناء العلاقات، مدعوماً بتطورات سياسية وأمنية قد تشمل تنسيقاً غير معلن بين الطرفين خلال الفترة الماضية.
وفي بيان رسمي، أوضحت وزارة الخارجية المصرية أن جلسة المباحثات الموسعة بين الوزيرين، بمشاركة وزيري الصناعة والاقتصاد من البلدين، تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف تجاه التطورات الإقليمية.
وأكد الجانب المصري خلال المباحثات دعمه لاستقرار سوريا ووحدة أراضيها، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية ورفض التدخلات الخارجية، إلى جانب مكافحة التطرف والإرهاب، والتعامل مع ملف المقاتلين الأجانب، وضمان ألا تتحول سوريا إلى مصدر لعدم الاستقرار.
كما جددت القاهرة رفضها للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، مؤكدة موقفها الثابت من ضرورة إنهاء الاحتلال للجولان السوري.
وتطرقت المباحثات أيضاً إلى تطورات إقليمية أوسع، من بينها المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى الأوضاع في لبنان، في ظل مساعٍ لخفض التوتر في المنطقة.
ويرى مراقبون أن مسار التقارب بين القاهرة ودمشق يتجه بشكل تدريجي وحذر، مع تزايد أهمية الملفات الاقتصادية والأمنية في تحديد مستقبل العلاقات، إلى جانب التحديات الإقليمية المحيطة.
ويؤكد محللون أن سوريا تبقى في موقع مهم ضمن الحسابات الدبلوماسية المصرية، مع وجود رغبة مشتركة في تعزيز الاستقرار، وفتح مسار تعاون أوسع قد يعيد تشكيل العلاقات بين البلدين على أسس أكثر استقراراً خلال المرحلة المقبلة.