هل تكفي القوانين السورية لتحقيق العدالة الانتقالية الحقيقية

2026.05.03 - 18:40
Facebook Share
طباعة

 لا يزال ملف العدالة الانتقالية في سوريا يواجه تحديات قانونية وبنيوية معقدة، في ظل استمرار الجدل حول مدى كفاية قانون العقوبات السوري الحالي للتعامل مع طبيعة الانتهاكات التي وقعت خلال سنوات الحرب، خصوصاً تلك التي تُصنف ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

 

ويشير خبراء قانونيون وحقوقيون إلى أن القوانين الجنائية المحلية، رغم أنها تتيح ملاحقة جرائم مثل القتل والتعذيب، إلا أنها لا تغطي بشكل كافٍ الجرائم واسعة النطاق التي ارتكبت ضمن سياقات منظمة أو ممنهجة، ما يطرح إشكالية في توصيف الانتهاكات ومعالجتها قضائياً.

 

في هذا السياق، يدعو عدد من الحقوقيين إلى إنشاء محاكم أو دوائر قضائية متخصصة تعتمد على معايير دولية، بهدف ضمان مقاربة أكثر شمولاً للانتهاكات، وتجنب تجزئة الملفات أو فصل الجرائم عن سياقها العام.

 

كما يبرز تحدٍ إضافي يتعلق بتحقيق التوازن بين المساءلة القانونية والحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي، في مجتمع ما زال يعاني من آثار الصراع والانقسام، ما يثير مخاوف من انزلاق بعض الإجراءات نحو طابع انتقامي.

 

وتواجه العملية أيضاً صعوبات عملية تتعلق بحجم الملفات المطروحة، بما في ذلك آلاف حالات المفقودين، وملفات المعتقلين السابقين، إضافة إلى المقابر الجماعية، وما يرتبط بها من حاجة إلى خبرات جنائية متخصصة وأرشيف موحد للأدلة.

 

ورغم صدور مرسوم رئاسي في أيار 2025 يقضي بتشكيل هيئة خاصة بالعدالة الانتقالية تتولى مهام كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر، إلا أن هذه الخطوة ما تزال في مرحلة التأسيس، وسط تحديات تتعلق بالقدرات المؤسسية والموارد والإطار الزمني.

 

وفي موازاة ذلك، بدأت تظهر محاكمات جارية في بعض الملفات، تُعد من المؤشرات الأولى على انتقال ملف الانتهاكات من النقاش السياسي إلى المسار القضائي. وتتيح هذه الإجراءات، وفق مراقبين، للضحايا إمكانية المشاركة في تحريك الدعاوى، ما يمنحها بعداً حقوقياً مباشراً.

 

غير أن تقييم هذه المحاكمات لا يزال محل نقاش، إذ يرى خبراء أن قيمتها تتوقف على مدى التزامها بمعايير المحاكمة العادلة، مثل استقلال القضاء، وعلنية الجلسات، وحق الدفاع، وهي معايير منصوص عليها في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

 

ويشير بعض المختصين إلى أن الاعتماد على قانون العقوبات السوري في معالجة هذه القضايا قد يخلق إشكاليات، من بينها خضوع بعض الجرائم لمبدأ التقادم، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية التي تعتبر الجرائم الجسيمة غير قابلة للسقوط بمرور الزمن.

 

في المقابل، يرى آخرون أن هذه المحاكمات تمثل بداية لمسار قضائي يمكن تطويره تدريجياً، رغم ما يحيط به من قيود قانونية ومؤسساتية، شرط أن يتم توسيعه وتعزيزه ليشمل مختلف أشكال الانتهاكات دون انتقائية.

 

وتبرز أيضاً انتقادات من بعض المنظمات الحقوقية التي ترى أن الإطار القانوني الحالي لا يزال غير كافٍ، وأن غياب نصوص صريحة تجرّم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية يحد من فعالية أي مسار قضائي.

 

كما تشير هذه المنظمات إلى ضرورة بناء منظومة قضائية متكاملة، تشمل إصلاحات تشريعية ومؤسساتية، إلى جانب دعم دولي، لضمان توافق الإجراءات مع المعايير الدولية الخاصة بالعدالة الانتقالية.

 

وبين هذه الرؤى المختلفة، يبقى مسار العدالة الانتقالية في سوريا مفتوحاً على عدة احتمالات، في ظل استمرار النقاش حول الإطار القانوني الأنسب، وقدرة المؤسسات القائمة على التعامل مع إرث واسع ومعقد من الانتهاكات.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 4