تعيش مالي مرحلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد بعد الهجوم الكبير الذي وقع في الخامس والعشرين من أبريل الماضي، والذي استهدف مواقع حساسة في محيط العاصمة باماكو، وأسفر عن خسائر بشرية بارزة من بينها مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، أحد أبرز وجوه السلطة العسكرية. وقد أعاد هذا التطور طرح أسئلة حول تماسك النظام العسكري الذي وصل إلى الحكم عقب انقلاب عام 2020.
جاءت هذه التطورات في وقت فقد فيه ما يُعرف بالمجلس العسكري الحاكم أحد أهم أعضائه، ما زاد من حالة التوتر داخل بنية السلطة، وسط تباين واضح في تقديرات حجم التهديدات التي تواجهها البلاد. وفي المقابل، ظهر رئيس المرحلة الانتقالية الجنرال آسيمي غويتا بعد تداول شائعات عن استهدافه، ما أعاد قدراً من التوازن داخل المشهد السياسي المضطرب.
ويعد غويتا الشخصية المركزية في النظام الحالي، إذ يقود السلطة منذ سلسلة انقلابات أطاحت بالرئيس المنتخب السابق إبراهيم بوبكر كيتا، ثم لاحقاً بالقيادة الانتقالية التي نصبتها المؤسسة العسكرية في مرحلة لاحقة قبل أن يعيد تشكيل السلطة لصالحه. ويُنظر إليه باعتباره القائد الفعلي للمؤسسة العسكرية، حيث اختار البقاء قريباً من القواعد العسكرية في كاتي بدلاً من القصر الرئاسي التقليدي.
وتواجه المرحلة التي يقودها غويتا عدة تحديات، من أبرزها تعثر الانتقال السياسي نحو الحكم المدني، وتمديد الفترات الانتقالية بشكل متكرر، إضافة إلى توسع رقعة المواجهات مع جماعات مسلحة تسيطر على مناطق في الشمال والوسط. وقد شهدت البلاد خلال الفترة الأخيرة خسارة الحكومة لمدن ومواقع استراتيجية لصالح حركات مسلحة متعددة.
كما تعيش مالي توتراً في علاقاتها الخارجية مع عدد من دول الجوار، إلى جانب خلافات متكررة مع دول أوروبية، في ظل تغير واضح في تحالفاتها الدولية، حيث اتجهت نحو تعزيز التعاون مع روسيا وتركيا ودول أخرى، مقابل تراجع الدور الفرنسي التقليدي في البلاد.
داخل بنية الحكم، يبرز عدد من القادة العسكريين الذين يشكلون العمود الإداري والأمني للسلطة الحالية. من بينهم الجنرال ساديو كامارا الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع قبل مقتله، وكان يعد من أبرز مهندسي التحول في العلاقات العسكرية الخارجية، خصوصاً في ما يتعلق بالتعاون مع روسيا وإعادة تشكيل الجيش المالي.
كما يبرز مالك دياو، رئيس المجلس الوطني الانتقالي، الذي يتولى دوراً تشريعياً أساسياً منذ عام 2020، حيث لعب المجلس الذي يرأسه دور البرلمان المؤقت. وقد اتُهم هذا المجلس بإعادة صياغة الإطار القانوني بما ينسجم مع بقاء السلطة العسكرية لفترة أطول، وتوسيع صلاحياتها السياسية.
ومن بين الشخصيات الأمنية أيضاً الجنرال موديبو كوني، الذي يشغل موقعاً محورياً في أجهزة الأمن والاستخبارات، ويعد من القادة المقربين من دوائر القرار، مع دوره في إدارة ملفات التعاون الأمني الخارجي، خصوصاً مع عدد من الدول الصاعدة في المجال العسكري.
ويبرز كذلك العقيد إسماعيل واغي، المتحدث الرسمي باسم المجلس العسكري، والذي تولى ملفات سياسية ودبلوماسية تتعلق بالمصالحة الوطنية والتواصل مع الأطراف الداخلية والخارجية، في إطار محاولات تخفيف التوتر السياسي الداخلي.
أما على مستوى الحكومة، فيلعب الجنرال عبد الله مايغا دوراً سياسياً وإعلامياً بارزاً بصفته رئيساً للحكومة، حيث يُعرف بخطابه الحاد تجاه السياسات الفرنسية السابقة في المنطقة، ويعد من أبرز الأصوات الداعمة لسياسة القطيعة مع النفوذ التقليدي لباريس.
في المقابل، لا يقتصر المشهد في مالي على السلطة الحاكمة، بل يمتد إلى حركات مسلحة متعددة تنشط في الشمال والوسط. من أبرز هذه الحركات تلك التي يقودها إياد آغ غالي، الذي يرتبط اسمه بتحولات فكرية وتنظيمية متعددة، وانتهى به المسار إلى قيادة تحالف مسلح ينشط في منطقة الساحل، ويتبنى خطاباً مسلحاً واسع النفوذ في الشمال.
كما تنشط كتائب أخرى يقودها حمادو كوفا، الذي يمثل أحد أبرز قادة المجموعات المسلحة ذات الطابع المحلي، ويقود تشكيلات تعتمد على الحضور في المناطق الريفية وشبكات اجتماعية ممتدة، ما يمنحها قدرة على الحركة في مناطق واسعة من البلاد.
إلى جانب ذلك، تبرز الحركة الوطنية لتحرير أزواد بقيادة بلال آغ الشريف، التي أعادت تنظيم نفسها ضمن جبهة سياسية وعسكرية موسعة، وتسعى إلى فرض حضورها في الشمال المالي، مستفيدة من التحولات العسكرية الأخيرة في المنطقة.
ويُضاف إلى هذا المشهد المعقد تعدد المشاريع السياسية والعسكرية داخل البلاد، حيث تتقاطع مصالح الحركات المسلحة مع حسابات السلطة المركزية، ما يجعل من الصراع في مالي ساحة مفتوحة لتداخل النفوذ العسكري والسياسي والإقليمي.
في ظل هذا الواقع، تبدو مالي أمام مرحلة طويلة من إعادة تشكيل موازين القوة، مع استمرار التوتر بين الحكومة المركزية والحركات المسلحة، وتعدد الفاعلين العسكريين والسياسيين داخل البلاد، ما يجعل الاستقرار تحدياً معقداً في المرحلة الحالية.