تشهد الساحة اللبنانية تصعيداً عسكرياً متسارعاً تزامناً مع تعثر المساعي الدبلوماسية لعقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن، في ظل ضغوط أمريكية متزايدة لإتمام هذا اللقاء.
ميدانياً، وسّعت إسرائيل نطاق عملياتها الجوية وإنذارات الإخلاء لتطال عمق الجنوب اللبناني، حيث شملت بلدات واسعة في قضاءي النبطية وصور، ما أدى إلى عزل مدينة النبطية بشكل شبه كامل عن محيطها. ويأتي هذا التصعيد بعد فشل الجهود الرامية إلى ترتيب لقاء مباشر بين عون ونتنياهو برعاية أمريكية.
وتشير التقديرات الإسرائيلية، وفق تصريحات رسمية وتحليلات عسكرية، إلى أن العمليات قد تمتد لفترة طويلة، مع توجهات لإحداث تغييرات ديموغرافية في الجنوب، وإزالة قرى تمهيداً لفرض واقع ميداني جديد. في المقابل، تظهر مؤشرات على استعداد "الحزب اللبناني" لخوض مواجهة ممتدة، مدعومة بتطوير قدراته العسكرية، بحسب خبراء.
وفي السياق ذاته، تكشف النقاشات داخل إسرائيل عن توجه لتوسيع العمليات إلى ما بعد جنوب الليطاني، لتفادي حرب استنزاف طويلة، رغم وجود قيود أمريكية على هذا التوسع. وتشمل العمليات الحالية مناطق تبعد أكثر من 30 كيلومتراً عن الحدود، وهو ما يُنظر إليه في بيروت كأداة ضغط على الدولة اللبنانية وبيئة "الحزب اللبناني".
وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي فرض قيوداً على التجمعات في المناطق الحدودية، محدداً سقفها بـ200 شخص في الأماكن المفتوحة و600 داخل المباني.
دبلوماسياً، أثار تحرك السفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى نحو قصر بعبدا والسرايا الحكومية تساؤلات حول خلفياته، لا سيما أنه جاء بعد بيان غير تقليدي للسفارة الأمريكية دعا صراحة إلى لقاء بين عون ونتنياهو، متضمناً عبارة "ولى زمن التردد"، في سابقة نادرة في الخطاب الدبلوماسي.
في المقابل، نفى مصدر رئاسي لبناني بشكل قاطع تحديد موعد في 11 أيار لعقد اللقاء في واشنطن، مؤكداً أن هذه المعلومات "غير صحيحة على الإطلاق".
كما لم تتضح طبيعة الرسائل التي نقلها السفير الأمريكي، وما إذا كانت مرتبطة بترتيب زيارة عون إلى واشنطن أو التحضير لاجتماع ثالث على مستوى السفراء لجدولة مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل.
وبحسب المعطيات، ركّزت التحركات الدبلوماسية على تثبيت وقف إطلاق النار ووقف استهداف المدنيين والمنشآت، دون التطرق إلى ملفات أخرى، فيما لم يحمل السفير عيسى أي دعوة رسمية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى عون لزيارة واشنطن.
وأشارت معلومات إلى أن المسؤولين اللبنانيين فوجئوا ببيان السفارة الأمريكية، في وقت يسعى فيه السفير عيسى لدفع باتجاه عقد اللقاء، إلا أن الرئيس عون يتمسك بموقفه الرافض لعقد لقاء شكلي، مؤكداً أن أي اجتماع محتمل يجب أن يكون نتيجة مفاوضات وليس مدخلاً لها.
وفي هذا الإطار، أكد وزير لبناني أن اللقاء مع نتنياهو "غير وارد"، مشدداً على أن هذا الموقف ثابت، حتى أن خيار الاتصال الهاتفي غير مطروح.
وعن خيار التفاوض المباشر، أشار الوزير إلى محدودية البدائل أمام لبنان، مع التأكيد على امتلاكه استقلالية القرار، موضحاً أن أي مفاوضات يجب أن تقوم على أسس واضحة تشمل انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وعودة السكان، والإفراج عن الأسرى، وإطلاق عملية إعادة الإعمار بدعم دولي، إضافة إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني لحصر السلاح.
وختم بالإشارة إلى أن الهدف اللبناني يتمثل في الوصول إلى هدنة طويلة الأمد، تمهيدًا لبحث مسارات أوسع قد تشمل السلام وترتيبات مستقبلية بين الطرفين.