أثار توصيف ورد في بيان صادر عن مصرف لبنان حول وجود "شح في الدولار" نقاشاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية، في ظل حساسية المشهد النقدي والمالي في لبنان، وتداخل العوامل الداخلية مع التطورات الإقليمية.
توضح تقديرات مالية أن المقصود بالمصطلح لا يرتبط بنفاد العملة الصعبة من التداول، بل يعكس تراجع وتيرة تدفقها إلى الداخل، نتيجة انكماش مصادر الإيرادات الخارجية التي يعتمد عليها الاقتصاد اللبناني بشكل كبير. ويُعدّ هذا التفريق مهماً لفهم المرحلة، إذ إن وجود العملة يختلف عن حجم دخولها واستمراريته.
يعتمد الاقتصاد اللبناني تاريخياً على قنوات متعددة لتأمين النقد الأجنبي، أبرزها تحويلات المغتربين، وعائدات السياحة، والاستثمارات، إضافة إلى الأنشطة الخدمية المرتبطة بالأسواق الإقليمية ومع تصاعد التوترات الأمنية، تراجعت هذه الموارد بشكل ملحوظ، ما انعكس على حجم السيولة المتاحة بالعملة الأجنبية.
يأتي القطاع السياحي في مقدمة المجالات الأكثر تأثراً، كونه من أبرز مصادر إدخال النقد الأجنبي. ومع انخفاض أعداد الزوار وتراجع الحركة السياحية، تقلصت العائدات المرتبطة به، ما أدى إلى انخفاض التدفقات المالية. كما طالت التداعيات قطاعات أخرى مثل العقارات والخدمات، نتيجة تراجع ثقة المستثمرين وارتفاع مستوى المخاطر.
يمتد الأثر إلى تحويلات المغتربين، التي تشكّل دعامة أساسية للاقتصاد، إذ تتأثر هذه التحويلات بعوامل متعددة، من بينها الظروف الاقتصادية العالمية ومستوى الثقة بالقطاع المالي المحلي. أي تراجع فيها ينعكس مباشرة على حجم العملة الأجنبية المتداولة.
في هذا السياق، يبرز دور مصرف لبنان في إدارة المرحلة عبر أدوات نقدية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النسبي في سعر الصرف، وتنظيم السيولة داخل السوق. وتشمل هذه الأدوات التدخل عند الحاجة، وضبط التوازن بين العرض والطلب، إلى جانب سياسات تحدّ من التقلبات الحادة.
يرى مراقبون أن الدولار لا يزال متوافراً داخل البلاد، سواء عبر القنوات المصرفية أو التداول النقدي، غير أن المشكلة تتمثل في تباطؤ تدفقه، ما يفرض تحديات على تمويل الاستيراد والحفاظ على التوازن النقدي على المدى المتوسط.
تنعكس هذه التطورات على الواقع المعيشي، إذ يؤدي تراجع دخول العملة الأجنبية إلى زيادة الحساسية تجاه تقلبات سعر الصرف، وارتفاع كلفة الاستيراد، الأمر الذي قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات، ويحدّ من قدرة الاقتصاد على التعافي.
في المقابل، ترتبط التحديات بعوامل خارجية يصعب التحكم بها، مثل استمرار التوترات الإقليمية، إلى جانب عوامل داخلية تتعلق ببنية الاقتصاد والقطاع المالي. ويجعل هذا الواقع إدارة المرحلة أكثر تعقيداً، في ظل الحاجة إلى تحقيق توازن بين الاستقرار النقدي وتلبية احتياجات السوق.
تعكس عبارة "شح الدولار" حالة تضييق في تدفقات العملة الأجنبية، أكثر من كونها مؤشراً على غيابها، وهو ما يفسّر استمرار توفرها في السوق، مقابل تراجع وتيرة دخولها إلى الاقتصاد وما يرافق ذلك من ضغوط متزايدة على مختلف القطاعات.