تشهد البيئة الدولية مرحلة إعادة تشكّل عميقة، تتداخل فيها التحولات الاقتصادية مع التنافس الجيوسياسي، وتبرز خلالها قوى كبرى وأخرى إقليمية تسعى إلى تثبيت مواقعها ضمن نظام عالمي لم تُحسم ملامحه بعد. في ظل هذه الديناميات، يتزايد الجدل حول شكل التوازنات المقبلة وآليات إدارتها.
في هذا السياق، يرى ديميتري ترينين، مدير المجلس الروسي للشؤون الدولية، أن أقطاب “العالم الجديد” باتت واضحة إلى حدّ كبير، وتتمثل في الصين الصاعدة، وروسيا التي استعادت حضورها الدولي، والهند التي تواصل تحقيق معدلات نمو مرتفعة، إضافة إلى أوروبا التي عادت إلى النشاط الجيوسياسي بعد فترة من الانكفاء النسبي.
وعلى المستوى الإقليمي، يبرز دور قوى فاعلة تتوزع على مختلف القارات، من بينها البرازيل في أمريكا اللاتينية، وتركيا وإيران في الشرق الأوسط، وإندونيسيا في جنوب شرق آسيا، وجنوب أفريقيا في أفريقيا، في مؤشر على تعددية متزايدة في مراكز التأثير.
صراع على شكل النظام العالمي:
يرى ترينين أن القضية المحورية لم تعد مرتبطة بتحديد القوى الفاعلة، بل بطبيعة القواعد التي ستنظّم العلاقات بينها. وتدور المنافسة الأشد بين الولايات المتحدة والصين، باعتبارهما الطرفين الأكثر قدرة على التأثير في بنية النظام الدولي.
وتسعى واشنطن إلى تعزيز موقعها عبر أدوات اقتصادية وعسكرية وتحالفية، بالتوازي مع محاولات للحد من نفوذ منافسيها. في المقابل، تفضّل بكين توسيع حضورها عبر مبادرات اقتصادية وشبكات تجارية واستثمارية عابرة للحدود، ما يكرّس حالة من التنافس المستمر.
تآكل صورة الولايات المتحدة:
يتحدث الكاتب عن تراجع صورة الولايات المتحدة لدى عدد متزايد من الدول، إذ تُقدَّم في بعض الأوساط بوصفها قوة متقلبة في سياساتها وتميل إلى تغليب مصالحها المباشرة. وينعكس ذلك على شبكة تحالفاتها، التي تُعد من أهم أدوات نفوذها الخارجي.
ورغم ذلك، لا يتوقع ترينين تراجع الدور الأمريكي في المدى القريب، نظراً لامتلاك واشنطن قدرات مالية وتكنولوجية وعسكرية كبيرة، إلى جانب مؤسسات بحثية وتعليمية متقدمة، ما يضمن استمرارها لاعباً رئيسياً في النظام الدولي.
حدود الصعود الصيني:
في المقابل، يستبعد أن يحل “السلام الصيني” محل الهيمنة الأمريكية، حتى مع تحقيق بكين تقدماً ملحوظاً في التقنيات المتقدمة أو نجاحها في بناء منظومة اقتصادية دولية تتمحور حولها.
ويرجع ذلك إلى غياب نموذج واضح للقيادة العالمية ضمن الفلسفة السياسية الصينية، التي تطرح مبادئ عامة لتنظيم العلاقات الدولية دون السعي إلى فرض قيادة مركزية صريحة.
نحو ثنائية قطبية مرنة:
يطرح الكاتب احتمال تشكّل نظام ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والصين، مع بقاء الطرفين في موقع الصدارة لفترة طويلة، دون انقسام حاد يشبه نماذج الحرب الباردة.
في هذا الإطار، قد تنشأ مناطق جذب وتنافس بين القوتين، مع سعي دول أخرى إلى تحقيق توازن في علاقاتها مع الطرفين. غير أن هذا التصور قد لا يحظى بقبول واسع لدى قوى كبرى مثل روسيا والهند، وربما أوروبا، التي تميل إلى نظام أكثر تعددية.
رؤية روسية للنظام العالمي:
يقدّم ترينين تصوراً يستند إلى توازن بين القوى الكبرى، حيث تتفاعل الدول والحضارات وفق مصالحها، ضمن إطار يجمع بين التنافس والتعاون.
ويرى أن تطبيق هذا النموذج يتطلب إصلاح مؤسسات دولية قائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، بما يضمن تمثيلاً أوسع للتنوع الحضاري ويحدّ من هيمنة مجموعة محددة من الدول على آليات اتخاذ القرار.
دور روسيا المستقبلي:
يخلص الكاتب إلى أن روسيا، رغم عدم تصدّرها المشهد العالمي من حيث الحجم الاقتصادي، تمتلك عناصر تأثير مهمة، من بينها موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وخبرتها في إدارة علاقات مع أطراف متعددة.
ويضيف أن فهم التعددية الحضارية يمنح موسكو قدرة على التواصل مع شركاء متنوعين، ما يؤهلها للقيام بدور وسيط في النزاعات الدولية والمساهمة في حفظ التوازن العام، مع ضرورة الاستعداد المبكر لمتطلبات المرحلة المقبلة.