يواجه المشهد السياسي في لبنان اختبارًا دقيقًا في لحظة تتقاطع فيها الضغوط العسكرية مع الاستحقاقات السياسية، بعد تأجيل الاجتماع الذي كان سيجمع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام. هذا التأجيل كشف هشاشة التوافق داخل السلطة، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى موقف واضح يحدد مسار التعامل مع التطورات المتسارعة.
التعثر لم يكن نتيجة انقطاع الاتصالات بين بعبدا وعين التينة والسرايا، إذ استمرت قنوات التواصل السياسية، لكن الخلاف برز في مضمون الموقف المطلوب صياغته، لا في انعقاد اللقاء بحد ذاته. فالتحدي يرتبط بتحديد حدود التفاوض، وشروطه، والجهة المخوّلة رسم سقفه، في ظل تصعيد ميداني مستمر مع إسرائيل.
الأسئلة المطروحة تتجاوز الشكل إلى الجوهر: هل يلتزم لبنان حصراً بالتفاوض غير المباشر؟ هل يشترط وقف الاعتداءات والانسحاب قبل أي مسار؟ كيف يمكن الجمع بين الحاجة إلى تحرك دبلوماسي وتفادي تقديم تنازلات تحت الضغط؟ هذه الإشكاليات بقيت من دون حسم، ما أدى إلى تعطيل الوصول إلى صيغة مشتركة.
التصعيد الإسرائيلي أسهم في تعقيد المشهد، لكنه لم يكن العامل الحاسم، إذ غالبًا ما تدفع الأزمات نحو تكثيف الاجتماعات. غياب أرضية سياسية متماسكة جعل الظروف الميدانية عاملاً إضافيًا يؤجل الحسم بدل أن يسرّعه.
في هذا الإطار، يتمسك نبيه بري بسقف يقوم على وقف الاعتداءات والانسحاب ورفض أي مسار تفاوضي مباشر، مستندًا إلى توازنات داخلية وحسابات مرتبطة بعلاقته مع حزب الله، إضافة إلى خبرة طويلة في إدارة هذا النوع من الملفات.
في المقابل، تتحرك رئاسة الجمهورية والحكومة ضمن هامش ضيق، بين ضرورة الحفاظ على التواصل مع المجتمع الدولي وتجنب الدخول في مسار غير مغطى داخليًا. أي خطوة غير محسوبة قد تتحول سريعًا إلى مادة خلاف سياسي داخلي، خصوصًا في ظل ارتباط الملف بمستقبل السلاح ودور الدولة في القرار السيادي.
يرى مراقبون أن غياب موقف موحد يمنح إسرائيل مساحة أوسع لفرض وقائع ميدانية، عبر استمرار الضربات والتهديدات، بما يعزز موقعها في أي مسار سياسي لاحق. هذا الواقع يضع الدولة أمام ضغط مزدوج: مواجهة التصعيد من جهة، وضبط التباين الداخلي من جهة أخرى.
التأخر في بلورة رؤية واضحة ينعكس مباشرة على موقع لبنان في المعادلة الإقليمية، إذ تتحول الساحة الداخلية إلى نقطة ضعف في ظل غياب خطاب رسمي متماسك. في المقابل، تسعى إسرائيل إلى استثمار هذا التباين لتقديم عملياتها ضمن سياق دفاعي، بينما يراها لبنان انتهاكًا لسيادته.
في قلب هذه المعادلة يبرز دور الجيش اللبناني، حيث يزداد الضغط الدولي لتعزيز حضوره في الجنوب. توسيع هذا الدور يحتاج إلى توافق سياسي واضح، يضمن تثبيت الاستقرار دون إدخال المؤسسة العسكرية في أي تجاذب داخلي.
المشهد الحالي يفرض على السلطة الانتقال من إدارة الوقت إلى إنتاج موقف محدد المعالم، يقوم على ثوابت واضحة تشمل وقف الاعتداءات، استعادة الأراضي، وضبط مسار التفاوض ضمن إطار يحفظ التوازن الداخلي.
تعثر اللقاء لا يُختصر بموعد مؤجل، بل يعكس حاجة ملحة إلى إعادة تنظيم القرار السياسي. قدرة لبنان على صياغة موقف موحد ستحدد مسار المرحلة المقبلة، بين البقاء تحت ضغط الوقائع المفروضة أو الانتقال إلى موقع أكثر تماسكًا في إدارة التفاوض.