لماذا يصعب إنهاء الصراع بين إيران والولايات المتحدة؟

2026.04.30 - 16:28
Facebook Share
طباعة

كشف قرار تمديد وقف إطلاق النار الذي اتخذته إدارة دونالد ترامب تحوّلاً واضحاً في طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، إذ انتقلت المواجهة من رهان الحسم السريع إلى إدارة صراع طويل يقوم على الاستنزاف وتبادل الضغوط. لم يعد الهدف تحقيق انتصار سريع، بل فرض معادلات تُرهق الطرف الآخر وتدفعه إلى تعديل مواقفه.

 

تشير الدراسة الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات إلى أن المرحلة الأولى من الحرب اعتمدت على ضربات مكثفة استهدفت آلاف المواقع داخل إيران، مع رهان على إحداث صدمة تؤدي إلى انهيار داخلي أو قبول سريع بالشروط الأميركية. غير أن النتائج جاءت مغايرة للتوقعات؛ فقد تكبّدت إيران خسائر كبيرة، لكنها حافظت على تماسك مؤسساتها، وأعادت تنظيم بنيتها السياسية والعسكرية بسرعة.

 

برز التماسك الداخلي عاملاً حاسماً في مسار المواجهة. لم تتحول التباينات السياسية والاجتماعية داخل إيران إلى ضغط على السلطة، واتجه المزاج العام نحو دعم الدولة في مواجهة التهديد الخارجي، ما أضعف الرهان على تفجير الوضع من الداخل، وحوّل الصراع إلى اختبار إرادة بين الطرفين.

 

في المقابل، أظهرت التطورات أن التهديدات الأميركية بالتصعيد الشامل لم تعد قابلة للتنفيذ بسهولة، بعدما اتضح أن كلفة الحرب المفتوحة أعلى من التقديرات الأولية. عند هذه النقطة، بدأ التحول نحو استراتيجية تقوم على الاستنزاف بدلاً من الضربة الحاسمة.

 

اعتمدت طهران مقاربة مركبة. في البداية ركّزت على امتصاص الضربات والحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة، ثم انتقلت إلى مرحلة إطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها على الخصوم تدريجياً. لم تسعَ إلى تحقيق نصر عسكري مباشر، بل إلى فرض ضغط متواصل يُضعف قدرة الطرف المقابل على الاستمرار.

 

برز مضيق هرمز كأداة ضغط رئيسية. لم تُغلقه إيران بالكامل، واعتمدت إدارة انتقائية لحركة الملاحة، تسمح بمرور بعض السفن وتقيّد أخرى، ما خلق حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية وربط أي تصعيد بتداعيات اقتصادية واسعة.

 

بالتوازي، جرى توظيف شبكة النفوذ الإقليمي للضغط على المصالح الأميركية عبر جبهات متعددة، ما وسّع نطاق المواجهة وأضفى عليها طابعاً مركباً يتجاوز حدود الاشتباك المباشر.

 

في الداخل الإيراني، لعب "الاقتصاد المقاوم" دوراً مهماً في تعزيز القدرة على الصمود، من خلال شبكات اقتصادية تعمل خارج القنوات التقليدية وتخفف من أثر العقوبات، إضافة إلى الاستفادة من الامتداد الجغرافي وتعدد الحدود للحد من فعالية الحصار الكامل.

 

في المقابل، أعادت واشنطن صياغة أدواتها. لم تتوقف العمليات، لكن شكلها تغيّر، حيث انتقلت الاستراتيجية إلى الضغط الاقتصادي والسياسي مع الحفاظ على جاهزية عسكرية مرتفعة. برز الحصار البحري كأداة أساسية تهدف إلى تقليص صادرات النفط الإيراني وخفض الموارد المالية.

 

امتد الضغط إلى المحيط الإقليمي. في العراق، جرى استهداف فصائل مسلحة واستخدام أدوات مالية وسياسية للتأثير في التوازنات الداخلية، وفي لبنان، تصاعد الضغط على حزب الله بهدف تقليص نفوذه ضمن سياق أوسع يستهدف شبكة النفوذ الإيرانية.

 

أصبح الزمن عاملاً حاسماً في مسار الصراع، حيث تراهن إيران على قدرتها على التحمل وتأثير الحرب في الاقتصاد العالمي، بينما تراهن الولايات المتحدة على أن الحصار سيؤدي تدريجياً إلى إنهاك إيران ودفعها إلى تقديم تنازلات. كلا الرهانين ينطوي على مخاطر، مع ضغوط متزايدة على الطرفين.

 

يرى مراقبون أن أفق نهاية الصراع ما يزال غامضاً، مع غياب مؤشرات واضحة على تسوية قريبة. تتراوح السيناريوهات بين استمرار الوضع القائم على الاستنزاف، أو عودة التصعيد العسكري، أو استئناف المفاوضات دون ضمان تحقيق نتائج حاسمة. تعقيد الملفات المطروحة، من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي، يزيد من صعوبة الوصول إلى اتفاق شامل خلال فترة قصيرة.

 

توضح المعطيات أن المواجهة انتقلت من حرب تقليدية إلى إدارة صراع طويل، تتداخل فيه الأدوات العسكرية مع الاقتصادية والسياسية، ويصبح الهدف تقليل الخسائر وفرض توازنات جديدة بدلاً من تحقيق نصر نهائي.

 

يبقى السؤال مفتوحاً: أي طرف سيتمكن من الاستمرار فترة أطول دون أن تتجاوز كلفة المواجهة قدرته على الاحتمال؟


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 8