يتصاعد الجدل داخل الأوساط الإسرائيلية حول التحولات التي طرأت على سلوك الجيش خلال الحرب الممتدة، مع تحذيرات متزايدة من انزلاق المؤسسة العسكرية نحو أنماط غير منضبطة تتناقض مع الصورة التي سعت لترسيخها لعقود، النقاش خرج من الإطار الإعلامي والحقوقي إلى قلب دوائر الأمن القومي، حيث طرح كل من عوفر شيلح وعديث شفران جيتلمان قراءة نقدية حادة لطبيعة التدهور داخل الجيش.
في تحليل نشرته صحيفة هآرتس، جرى ربط ظواهر مثل النهب والانفلات بتآكل المنظومة القيمية التي يقوم عليها الانضباط العسكري. الطرح يقدّم صورة مقلقة لمؤسسة تفقد تدريجيًا ضوابطها، حيث يتحول الجيش من قوة منظمة إلى كيان تتحكم فيه سلوكيات فردية غير منضبطة، ما ينعكس مباشرة على فعاليته القتالية.
جذور الأزمة ترتبط بطبيعة الحرب الطويلة التي تخوضها إسرائيل في أكثر من جبهة دون أفق واضح للحسم. الواقع فرض حالة استنزاف مستمرة، على المستويين العملياتي والنفسي، خاصة مع تكرار الانتشار في بيئات معقدة مثل غزة وجنوب لبنان.
المعطيات تشير إلى أن قوات الاحتياط، التي يعتمد عليها الجيش بشكل كبير، لم تُصمم لتحمل خدمة ممتدة بهذا الشكل. الخلل البنيوي أدى إلى تراجع مستوى الانضباط داخل الوحدات، وفتح المجال أمام ممارسات تتجاوز القواعد العسكرية، في ظل ضغط متواصل وفقدان التوازن بين الجاهزية والاستنزاف.
في المقابل، يتزايد الضغط السياسي على القيادة العسكرية. شخصيات مثل بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت توجّه انتقادات متكررة للجيش، ما يضعف موقع القيادة الميدانية ويقوّض قدرتها على فرض الانضباط. التداخل بين القرار السياسي والإدارة العسكرية يخلق بيئة مضطربة داخل المؤسسة.
تحذيرات إيال زامير بشأن ظاهرة النهب لم تأتِ من فراغ، إذ أقرّ بوجود سلوكيات خطيرة قد تسيء إلى صورة الجيش بالكامل. الإقرار يعكس حجم الأزمة، حيث لم تعد المسألة حالات فردية، بل مؤشرات على خلل أعمق في البنية.
يرى محللون أن الظواهر نتيجة مباشرة لطبيعة الحرب التي تعتمد على القوة المفرطة وتفتقر إلى ضوابط إنسانية حقيقية. غياب المساءلة الدولية، واستمرار العمليات دون رادع، ساهما في خلق بيئة تسمح بتكرار الانتهاكات وتحولها إلى سلوك شبه اعتيادي داخل بعض الوحدات.
السيناريو الأول يتمثل في استمرار الوضع الحالي، ما يعني ترسخ الممارسات داخل الجيش، وتآكل صورته داخليًا وخارجيًا، مع تراجع الثقة بقدرته على العمل كقوة منظمة.
السيناريو الثاني يقوم على محاولة فرض انضباط صارم من خلال تحقيقات وإجراءات رقابية، غير أن المسار يصطدم باستمرار الحرب نفسها، التي تفرز الظروف ذاتها وتعيد إنتاج الأزمة.
السيناريو الثالث يرتبط بتصاعد الضغوط الدولية، في ظل تزايد التقارير عن انتهاكات، ما قد يؤدي إلى عزلة سياسية أكبر ويضع المؤسسة العسكرية تحت رقابة مشددة.
التحليل يذهب أبعد من ذلك، حيث يرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالانضباط، بل بطبيعة المشروع العسكري نفسه، القائم على إدارة صراع مفتوح دون أفق، ما يؤدي إلى إنهاك مستمر وتفكك تدريجي داخل المؤسسة.
في هذا السياق، تتحول الحرب من أداة لتحقيق أهداف سياسية إلى عامل يضعف الجيش من الداخل. استمرار العمليات دون رؤية واضحة يعمّق حالة الإرهاق، ويزيد من احتمالات الانفلات، خاصة في ظل غياب رقابة فعالة ومحاسبة حقيقية.
المشهد الحالي يشير إلى أزمة مركبة داخل الجيش الإسرائيلي، تتقاطع فيها العوامل الميدانية مع الضغوط السياسية والتحديات النفسية. استمرار المسار دون معالجة جذرية قد يؤدي إلى تحولات أعمق في دور الجيش وصورته داخل المجتمع.
في المحصلة، لم يعد الحديث عن تجاوزات محدودة، بل عن مسار يعيد تشكيل طبيعة المؤسسة العسكرية. استمرار الحرب، إلى جانب غياب الضوابط، يدفع باتجاه نموذج جيش مرهق، فاقد للانضباط، وأكثر عرضة للتحول إلى قوة منفلتة، ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبله وقدرته على الاستمرار بنفس البنية والوظيفة.