طرح إيمانويل ماكرون استعداد فرنسا للاستمرار ميدانياً في لبنان بعد انتهاء مهمة يونيفيل، خلال مؤتمر صحافي جمعه في باريس برئيس الحكومة نواف سلام، مشيراً إلى إمكانية بقاء فرنسي "إذا كانت تلك رغبة لبنان"، وبالتنسيق مع شركاء دوليين، من دون تحديد إطار قانوني أو عملياتي واضح.
يفتح التصريح باباً واسعاً للنقاش، إذ لا تقابله خطة واضحة، في وقت تتزاحم فيه الأسئلة حول الجهة التي تمنح الشرعية لأي وجود جديد، وطبيعة الشركاء المحتملين، وموقف الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى كيفية التعامل مع الواقع الميداني في الجنوب، حيث يحضر حزب الله كفاعل رئيسي.
جاء النقاش بعد قرار مجلس الأمن تمديد مهمة يونيفيل للمرة الأخيرة، على أن يبدأ الانسحاب في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2026 ويُستكمل خلال عام 2027. لم تكن باريس تفضّل إنهاء المهمة، بل سعت إلى تمديدها كما جرت العادة منذ تأسيسها عام 1978 عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، لكنها وافقت على تسوية جاءت تحت ضغط واشنطن وتل أبيب، اللتين تعتبران
أن القوة الأممية لم تحدّ من تعاظم قدرات حزب الله.
طلب مجلس الأمن من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس تقديم تصور لمرحلة ما بعد يونيفيل بحلول يونيو المقبل، مع التركيز على دعم الجيش اللبناني لإعادة الانتشار جنوباً. في المقابل، يعكس الموقف الفرنسي قلقاً من قدرة المؤسسة العسكرية اللبنانية على ملء الفراغ سريعاً، نظراً إلى حجم القوة الأممية الذي يقارب 8200 جندي، بينهم أكثر من 700 جندي
فرنسي، إضافة إلى الخبرة الميدانية المتراكمة على مدى عقود.
أعلن وكيل الأمين العام لعمليات السلام جان بيار لاكروا أن الأمم المتحدة تعمل على خيارات لحضور لاحق أقل حجماً، يركّز على المراقبة والإبلاغ والتنسيق وفض الاشتباك، إضافة إلى إزالة الألغام، مع الأخذ في الاعتبار احتياجات لبنان وإسرائيل الأمنية، إلى جانب دور الشركاء الثنائيين في دعم الجيش وقوى الأمن.
داخل الأوساط الفرنسية، تتعدد السيناريوهات من دون حسم. أحد الطروحات يدور حول تشكيل قوة متعددة الجنسيات خارج مظلة الأمم المتحدة، على غرار نماذج "تحالف المتطوعين". يرى الباحث ديدييه بيّون أن هذا الخيار يفتقر إلى الشرعية الدولية، لأنه لا يستند إلى تفويض أممي، ما يضعه في منطقة قانونية رمادية ويثير إشكاليات تتعلق بالتمويل وقواعد الاشتباك وقبول الأطراف الإقليمية.
طرح آخر يتناول إمكانية تشكيل قوة أوروبية تقودها باريس بمشاركة دول مثل إيطاليا وإسبانيا. وقد أشار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيث إلى تساؤلات حول الإطار الممكن، سواء تحت مظلة الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. غير أن تحقيق إجماع أوروبي يبقى معقداً، بسبب تباين مواقف الدول الأعضاء تجاه إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة.
يبقى خيار الوجود العسكري بناءً على طلب رسمي من الدولة اللبنانية الأكثر متانة من الناحية القانونية، لكنه يواجه عقبة سياسية تتمثل في الانقسام الداخلي. يتطلب هذا المسار توافقاً بين الرئاسات والقوى السياسية، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل الخلافات القائمة حول قضايا أساسية، من بينها سلاح حزب الله ودور القوى الدولية.
في المقابل، شدد نواف سلام خلال المؤتمر مع ماكرون على ضرورة أن يجري أي ترتيب مستقبلي تحت مظلة الأمم المتحدة، ما يعيد النقاش إلى نقطة البداية، لأن أي صيغة أممية تحتاج إلى موافقة مجلس الأمن، حيث تمتلك واشنطن حق النقض، مع أخذ الموقف الإسرائيلي في الاعتبار.
تزداد التعقيدات مع بروز عامل الميدان، إذ يبقى موقف حزب الله محدداً رئيسياً. تشير التقديرات إلى أن الحزب لن يقبل بأي وجود دولي يُنظر إليه على أنه تهديد مباشر، ما يطرح تحدياً عملياً أمام أي قوة محتملة، مهما كان إطارها القانوني.
تكشف المعطيات عن فجوة بين الطموح الفرنسي للحفاظ على دور مؤثر في لبنان، وبين غياب تصور متكامل لمرحلة ما بعد يونيفيل. تظل السيناريوهات مفتوحة، لكنها تصطدم بعقبات تتعلق بالشرعية الدولية، والتوافق السياسي، والتوازنات الإقليمية، ما يجعل الانتقال إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً من مجرد إعلان نوايا.