سوق الدم العالمي: كولومبيا في صدارة تصدير المرتزقة

2026.04.22 - 16:33
Facebook Share
طباعة

تحوّلت كولومبيا خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مصادر المقاتلين المرتزقة والقتلة المأجورين، في ظاهرة تتسع رقعتها عالمياً، مدفوعة بعوامل اقتصادية وأمنية معقدة، وبطلب متزايد على الخبرات القتالية في مناطق النزاع وشبكات الجريمة المنظمة.

 

تحقيق نشرته صحيفة لوباريزيان للصحفية أنيسة حمادي يسلّط الضوء على ما بات يُعرف بـ"سوق عالمي للعنف"، حيث تُصدَّر مهارات الحرب من كولومبيا إلى ساحات تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. حضور المرتزقة الكولومبيين لم يعد استثناءً، بل أصبح ظاهرة منظمة ترتبط بشبكات تجنيد عابرة للحدود.

 

في فرنسا، تكشف التحقيقات الأمنية عن شبكات إجرامية تعتمد على عناصر كولومبية لتنفيذ عمليات اغتيال لصالح عصابات المخدرات. وتشير المعطيات إلى أن بعض هؤلاء دخلوا الأراضي الفرنسية بتأشيرات سياحية تحت غطاء العمل في مجالات مدنية، قبل أن يُعاد توجيههم نحو أنشطة إجرامية، مستفيدين من صعوبة تعقبهم وغياب الروابط الاجتماعية التي قد تكشف تحركاتهم.

 

هذه الشبكات لا تعمل بشكل عشوائي، بل ضمن منظومة معقدة تتوزع أدوارها بين التخطيط والتنفيذ والإدارة، وفي بعض الحالات تُدار العمليات من خارج أوروبا، بما في ذلك من داخل السجون، لتقليل المخاطر على القيادات المحلية.

 

يعتمد الطلب على المرتزقة الكولومبيين بدرجة كبيرة على الخلفية العسكرية لهؤلاء الأفراد، إذ خاضت كولومبيا عقوداً من الصراع الداخلي، ما أفرز أعداداً كبيرة من الجنود المدربين على القتال في ظروف معقدة. هذه الخبرة جعلت منهم خياراً مفضلاً للجهات التي تبحث عن عناصر قادرة على تنفيذ مهام دقيقة تحت الضغط.

 

ويشير باحثون، من بينهم أولريش بونات، إلى أن هؤلاء يمثلون "مادة بشرية جاهزة" لمهام قتالية وأمنية، في ظل امتلاكهم مهارات تكتيكية متقدمة، إلى جانب انخفاض تكلفتهم مقارنة بمرتزقة من دول أخرى، وهو عامل اقتصادي مهم في قرارات التوظيف داخل الشبكات الإجرامية أو العسكرية.

 

على الصعيد الدولي، يتجاوز دور المرتزقة الكولومبيين حدود الجريمة المنظمة ليشمل النزاعات المسلحة، حيث يُستقطب آلاف منهم للقتال في جبهات مختلفة، من بينها أوكرانيا والسودان، إضافة إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط. في هذه البيئات، غالباً ما يُدفع بهم إلى الخطوط الأمامية، ما يزيد من تعرضهم للخسائر.

 

تتم عمليات التجنيد عبر قنوات متعددة، تشمل شركات أمن خاصة وشبكات غير رسمية، تستخدم وسائل حديثة مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي، إلى جانب وسطاء يعملون على استقطاب العسكريين السابقين. وتُظهر تقارير أن مسارات انتقال هؤلاء تمر أحياناً عبر دول في الخليج قبل الوصول إلى مناطق النزاع، ما يعكس طبيعة الشبكات العابرة للحدود.

 

في بعض الحالات، لا يكون المجندون على دراية كاملة بطبيعة المهام التي سيؤدونها، إذ يتم استدراجهم بعروض عمل مبهمة، قبل أن يجدوا أنفسهم في ساحات قتال أو ضمن عمليات أمنية خطرة. هذا الوضع يضعهم في منطقة قانونية رمادية، حيث لا يتمتعون بحماية المقاتلين النظاميين ولا المدنيين.

 

قد كشفت وكالة فرانس برس عن تورط ضباط سابقين في إدارة شبكات تجنيد، مع فرض عقوبات على بعضهم، في محاولة لاحتواء الظاهرة. غير أن هذه الإجراءات لم تنجح حتى الآن في الحد من انتشارها بشكل فعّال.

 

اقتصادياً، يُعد ضعف الرواتب التقاعدية للعسكريين السابقين أحد أبرز دوافع الانخراط في هذا النشاط، حيث توفر العقود الخارجية دخلاً أعلى بكثير. لكن هذا العامل يتقاطع مع عوامل اجتماعية وثقافية، أبرزها تأثير عقود من العنف الداخلي التي ساهمت في تطبيع استخدام القوة داخل المجتمع.

 

تشير تحليلات منشورة في إلباييس إلى أن كولومبيا أصبحت من أكبر مصدّري المرتزقة في العالم، نتيجة تلاقي العرض الكبير من المقاتلين مع طلب دولي متزايد على الخبرات القتالية، سواء في الحروب أو في أنشطة غير قانونية.

 

كما توضح خبيرة الأمن القومي لورا ليزارازو أن الجيش الكولومبي يُعد من بين الأكثر تدريباً في مجال مكافحة التمرد، بعد عقود من العمليات العسكرية، ما يجعل عناصره السابقة مطلوبة بشدة من قبل جيوش أجنبية وشركات أمن خاصة.

 

على مستوى الدولة، حاولت الحكومة الحد من الظاهرة عبر تشريعات وتحذيرات رسمية، من بينها دعوة الرئيس غوستافو بيترو للعسكريين بعدم الانخراط في نزاعات خارجية. غير أن هذه الجهود تصطدم بواقع اقتصادي ضاغط، وسوق عالمية مفتوحة تستقطب هذه الفئة بشكل مستمر.

 

في المحصلة، تكشف الظاهرة عن نشوء اقتصاد خفي قائم على تصدير العنف، حيث تتحول الخبرة العسكرية إلى سلعة مطلوبة في أسواق غير منظمة، تمتد من ميادين الحروب إلى شبكات الجريمة المنظمة ومع استمرار الطلب العالمي، يبدو أن هذه الظاهرة مرشحة للتوسع، ما يطرح تحديات أمنية وقانونية تتجاوز حدود كولومبيا لتشمل النظام الدولي بأكمله.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 6