تعثر المفاوضات السورية الإسرائيلية بين الجمود والضغوط الإقليمية

2026.04.19 - 15:14
Facebook Share
طباعة

 تشهد المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل حالة من التعثر الواضح، رغم استمرار الجهود الأمريكية لدفع مسار اتفاق أمني بين الطرفين. هذا التعثر لا يعكس بالضرورة نهاية المسار، بل يشير إلى مرحلة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الميدانية مع الحسابات السياسية.

 

الرئيس السوري أحمد الشرع أكد أن المحادثات لم تصل إلى طريق مسدود، لكنها تواجه صعوبات كبيرة، موضحًا أن أحد أبرز أسباب التعقيد يتمثل في إصرار إسرائيل على البقاء داخل أراضٍ سورية. كما أشار إلى وجود مسودة اتفاق سابقة لم يتم اعتمادها نتيجة عراقيل متعددة، من بينها ما وصف بمشكلات فنية لدى الجانب الإسرائيلي.

 

في المقابل، ترى دمشق أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، سواء عبر الغارات الجوية أو التوغلات البرية، يضعف فرص التقدم في أي تفاهم، ويؤثر سلبًا على مستوى الثقة الضروري لإنجاح المفاوضات.

 

هذا التباين في الوقائع يعكس مسارًا تفاوضيًا هشًا، حيث تتحرك المفاوضات في اتجاه، بينما تستمر التطورات الميدانية في اتجاه مختلف.

 

من جانب آخر، أكدت مصادر في وزارة الخارجية السورية استمرار الوساطة الأمريكية، وكشفت أن مسودة اتفاق كانت قد أُنجزت سابقًا، لكن تغييرات داخل الفريق المفاوض الإسرائيلي ساهمت في تعطيلها.

 

ويرى محللون أن المشكلة لا تقتصر على تفاصيل تقنية، بل تتعلق بغياب الإرادة السياسية لدى إسرائيل للوصول إلى اتفاق، معتبرين أن انخراطها في المسار التفاوضي جاء تحت ضغط أمريكي أكثر من كونه خيارًا استراتيجيًا. ويشير هذا التقييم إلى أن إسرائيل تسعى إلى فرض واقع ميداني جديد في الجنوب السوري، بدل الالتزام بتفاهمات تحد من تحركاتها العسكرية.

 

في المقابل، تبدي سوريا استعدادًا للدخول في اتفاق يضمن استقرار الحدود، مع التركيز على تثبيت السيادة ووقف الانتهاكات العسكرية، دون الانتقال إلى تسوية شاملة في هذه المرحلة.

 

من زاوية تحليلية أخرى، يُنظر إلى الوضع الحالي على أنه تجميد مؤقت وليس فشلًا نهائيًا، إذ إن أي اتفاق أمني يحتاج إلى حد أدنى من الثقة، وهو ما يتأثر باستمرار العمليات العسكرية. فالتناقض بين المسار التفاوضي والتصعيد الميداني يجعل الوصول إلى تفاهم فعلي أمرًا معقدًا.

 

تسعى دمشق إلى العودة إلى ترتيبات تستند إلى اتفاق عام 1974، باعتباره إطارًا أقل حساسية وقابلًا للتطبيق، مع التأكيد على وقف أي وجود عسكري إسرائيلي داخل الأراضي السورية. في المقابل، تركز إسرائيل على مفهوم الأمن، وتسعى إلى ضمان حرية تحرك أوسع تحت مبررات الحماية الاستباقية.

 

هذا الاختلاف يعكس جوهر الخلاف بين الطرفين، حيث تريد سوريا اتفاقًا يحد من السلوك العسكري الإسرائيلي ويكرس السيادة، بينما تسعى إسرائيل إلى اتفاق يمنحها هامشًا أوسع للتحرك العسكري.

 

على المستوى السياسي، حمّلت دمشق إسرائيل مسؤولية تعطيل المفاوضات، مشيرة إلى أن الانتهاكات اليومية، بما فيها عمليات التفتيش والاعتقالات داخل الأراضي السورية، تعرقل جهود الوساطة. ويُنظر إلى هذا الموقف على أنه رسالة موجهة للمجتمع الدولي، تؤكد أن المشكلة ليست في مبدأ التفاوض بل في السلوك الميداني.

 

كما يُستخدم هذا الطرح كورقة ضغط تفاوضية لرفع سقف الشروط قبل أي جولة جديدة، بهدف تجنب الدخول في المفاوضات من موقع ضعيف.

 

التطورات الإقليمية تلعب أيضًا دورًا في تعقيد المشهد، خاصة في ظل التصعيد المرتبط بالحرب على إيران، ما يجعل مسار التفاوض مرتبطًا بنتائج هذه المواجهة وتداعياتها. ويرى مراقبون أن أي تقدم محتمل قد يتأجل إلى مرحلة ما بعد هذه الحرب.

 

في هذا السياق، برزت مواقف إقليمية تعكس قلقًا من توسع التحركات الإسرائيلية، مع تحذيرات من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تصعيد أوسع في المنطقة.

 

أما الدور الأمريكي، فيبقى حاضرًا لكنه محدود التأثير، حيث نجحت واشنطن في جمع الطرفين وإطلاق قنوات اتصال، لكنها لم تتمكن من فرض التزامات ميدانية، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية.

 

بناءً على ذلك، تبدو الوساطة الأمريكية أقرب إلى إدارة الأزمة بدلًا من الوصول إلى اتفاق نهائي سريع، خصوصًا مع استمرار التباين في الأهداف بين الطرفين.

 

رغم هذا التعقيد، لا تزال فرص التوصل إلى اتفاق قائمة نظريًا، لكنها تبقى مرهونة بتوفر إرادة سياسية واضحة، خصوصًا من الجانب الإسرائيلي، إلى جانب تهيئة ظروف ميدانية تسمح ببناء الثقة.

 

في المحصلة، يعكس مسار المفاوضات واقعًا إقليميًا مضطربًا، حيث تتداخل المصالح الأمنية مع الحسابات السياسية، ما يجعل أي تقدم مرتبطًا بتغيرات أوسع تتجاوز حدود الملف السوري الإسرائيلي نفسه.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


سوريا اسرائيل اتفاق امني

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 4