يشهد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا تحركات داخلية لإعادة هيكلة قياداته، في خطوة ينظر إليها كمؤشر مبكر على الاستعداد لانتخابات مقبلة توصف بالحاسمة، وذلك عقب خسارته الانتخابات المحلية عام 2024، التي شكلت أول هزيمة من نوعها منذ تأسيس الحزب قبل نحو ربع قرن.
وتتضمن الخطة الجديدة إبعاد عدد من القيادات القديمة وتعيين وجوه جديدة على مستوى الفروع الرئيسية والمناطق الفرعية في مختلف أنحاء البلاد، إلى جانب تكثيف الجهود لاستقطاب أعضاء جدد، ومراجعة أسباب انسحاب كوادر سابقة من الحزب.
وبحسب مصادر من داخل فرع الحزب في إسطنبول، تشهد الفروع الـ39 في المدينة، التي يقطنها نحو 16 مليون نسمة، مراجعات شاملة وتقييما للأداء، تمهيدا لإجراء تغييرات تستند إلى نتائج هذه التقييمات.
وأوضحت المصادر أن إسطنبول تحظى بأولوية خاصة في هذه المراجعات، عقب خسارة الحزب الانتخابات المحلية فيها عام 2024، حيث آلت رئاسة بلديتها الكبرى ومعظم بلدياتها الفرعية إلى حزب الشعب الجمهوري المعارض، للمرة الثانية على التوالي بعد انتخابات عام 2019.
وأضافت أن التقييمات ترتكز بشكل أساسي على مدى فاعلية القيادات الحالية، ومستوى تواصلها مع السكان المحليين في الأحياء والأسواق والمؤسسات التعليمية والتجمعات الاجتماعية، تمهيدا لاتخاذ قرارات بالإبقاء عليها أو استبدالها بشخصيات أكثر حضورا وتأثيرا.
وفي الوقت الذي يرفض فيه الحزب الحاكم الدعوات المتكررة من المعارضة لإجراء انتخابات مبكرة، يسود اعتقاد واسع داخل صفوفه، بما في ذلك بين قيادات مقربة من الرئيس رجب طيب أردوغان، بأن الانتخابات قد تجرى العام المقبل، أي قبل موعدها الرسمي المحدد في 2028.
وتعد هذه الانتخابات اختبارا حساسا لشعبية الحزب الحاكم، في ظل مخاوف من تأثير سياسات التقشف المطبقة منذ نحو عامين، والتي تهدف إلى خفض معدلات التضخم المرتفعة، لكنها تنعكس سلبا على مستوى معيشة المواطنين.
وفي المقابل، تمثل الانتخابات أيضا اختبارا لشعبية المعارضة، التي حققت تقدما في الانتخابات المحلية عام 2024، رغم ما أعقب ذلك من انقسامات داخل حزب الشعب الجمهوري، وسجن أكثر من 20 رئيس بلدية كبرى وفرعية بتهم فساد، من بينهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.
ونقل عن مصدر مقرب من الحزب الحاكم أن الرئيس أردوغان سيشرف بشكل مباشر على عملية إعادة الهيكلة، في ظل تلقيه تقارير دورية حول تقييم الأداء الحزبي والعمل الميداني ومستوى التواصل مع الناخبين في مختلف المحافظات.
وأضاف المصدر أن التغييرات المرتقبة ستشمل عددا من المناصب القيادية على مستوى المحافظات، ضمن عملية منظمة تستند إلى تحليلات ميدانية وتقارير أداء يشرف عليها رئيس منظمة الحزب أحمد بيوك غوموش
وأشار إلى أن مستوى تواصل القيادات مع الناخبين ومدى شعبيتها يشكلان عاملين حاسمين في قرارات التغيير، في إطار استعدادات الحزب لاحتمال إجراء انتخابات مبكرة خلال العام المقبل.
وبدأت أصداء هذه التغييرات المرتقبة تتردد أيضا داخل أوساط المعارضة، بما في ذلك حزب الشعب الجمهوري، الذي يعول بشكل كبير على الملف الاقتصادي لاستقطاب ناخبين مترددين أو غير راضين عن الأداء الحكومي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع مستويات الأجور.
وفي هذا السياق، أفاد مصدر صحفي مقرب من المعارضة بأن تقييمات الحزب الحاكم نفسها تربط سلوك الناخبين، سواء المؤيدين أو المترددين، بإمكانية حدوث تحسن في الأوضاع الاقتصادية ومستوى المعيشة، سواء عبر المشاركة في التصويت أو العزوف عنه أو التوجه نحو المعارضة.
كما تأثرت خطط الحكومة التركية لخفض معدلات التضخم قبل الانتخابات بالتطورات الإقليمية، لا سيما الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها، التي أسهمت في ارتفاع أسعار الطاقة، في ظل اعتماد أنقرة بشكل شبه كامل على استيرادها من الخارج.