كيف تُصنع سردية النصر بين واشنطن وطهران؟

2026.04.18 - 14:40
Facebook Share
طباعة

تتسع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لتشمل ساحة موازية لا تقل تأثيراً عن الميدان، ساحة اللغة وصياغة الروايات. في هذه المساحة، لا تُحسم النتائج فقط بالوقائع، بل بكيفية عرضها وتفسيرها، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم ما جرى بوصفه انتصاراً كاملاً أمام جمهوره الداخلي.
يتجلى هذا التباين بوضوح في ملف مضيق هرمز، الذي تحوّل إلى نموذج حي لصراع السرديات. دونالد ترامب أعلن فتح المضيق باعتباره نجاحاً لضغوط واشنطن وإعادة لحرية الملاحة الدولية، في حين قدّمت طهران المشهد بصورة مختلفة تماماً، مؤكدة أن العبور يتم وفق "المسار المنسق" الذي يخضع لإشرافها المباشر.
المسار الذي أعلنت عنه إيران يمر بمحاذاة السواحل قرب جزيرة لارك، ويُلزم السفن بالتنسيق مع الحرس الثوري، ما يمنح طهران قدرة عملية على تنظيم حركة المرور. بهذا الشكل، يصبح المضيق مفتوحاً شكلياً، لكنه خاضع لإدارة مشددة، ما يسمح لكل طرف بتسويق الرواية التي تناسبه: واشنطن تتحدث عن انضباط الملاحة، وطهران عن سيطرة وسيادة.
الصراع اللغوي يمتد إلى الملف النووي، حيث يستخدم ترامب توصيف "الغبار النووي" للإشارة إلى اليورانيوم المخصب، في محاولة لتقليل أهميته وتصوير أي تنازل إيراني على أنه خطوة بلا قيمة حقيقية. في المقابل، تعتبر طهران المخزون النووي ورقة تفاوض رئيسية، تمكنت عبرها من فرض نفسها على طاولة التفاوض وانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية.
تقديرات غير رسمية تشير إلى امتلاك إيران أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة مرتفعة تقنياً. رغم ذلك، تصر طهران على الطابع السلمي للبرنامج، بينما تستخدم واشنطن الأرقام ذاتها لتبرير الضغوط.
في ملف الأموال، يتكرر النمط ذاته. تقارير تحدثت عن احتمال الإفراج عن نحو 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، في حين ينفي الجانب الأميركي تقديم أي مقابل مالي. ترامب يؤكد أن بلاده لن تدفع شيئاً، بينما يرى المفاوض الإيراني أن امتلاك أوراق القوة هو الذي دفع واشنطن إلى مناقشة هذه الأرقام أساساً.
ملف التعويضات يضيف بعداً آخر، إذ تقدّر طهران خسائر الحرب بنحو 270 مليار دولار، وتضع هذا الرقم ضمن أولويات التفاوض. في المقابل، ترفض واشنطن إدراج تعويضات مالية ضمن أي اتفاق، ما يعكس اختلافاً عميقاً في تعريف ما يُعد مكسباً أو تنازلاً.
حتى نصوص الاتفاقات لم تسلم من هذا التباين. النسخة الإيرانية من مقترح وقف إطلاق النار، المؤلفة من 10 نقاط، عُرضت داخلياً كلحظة انتصار سياسي، بينما قُدمت خارجياً بلغة أكثر هدوءاً. في المقابل، نفت الإدارة الأميركية أن تمثل تلك البنود الإطار الحقيقي للتفاهم، ما فتح الباب أمام جدل واسع حول حقيقة الاتفاق.
تقارير تحدثت عن وجود أكثر من نسخة للنص، وهو أمر يعكس طبيعة التفاوض ذاته، حيث لا تقتصر المعركة على البنود، بل تشمل طريقة صياغتها وتقديمها. كل كلمة تحمل وزناً سياسياً، وكل توصيف يمكن أن يغيّر إدراك الجمهور لما جرى.
في خلفية المشهد، يظهر أن الطرفين يدركان أهمية التحكم في الرواية بقدر أهمية النتائج. اللغة تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع، عبر تضخيم الإنجازات وتقليل التنازلات. بهذا المعنى، لا يكون الاتفاق مجرد تفاهم سياسي، بل منتجاً إعلامياً موجهاً لجمهورين مختلفين.
التناقض بين الخطابين لا يعني بالضرورة غياب نقاط التفاهم، بل يشير إلى وجود مساحة مشتركة تُصاغ بعبارات مرنة تسمح بتفسيرات متعددة. هذه المرونة تمنح كل طرف القدرة على إعلان الفوز دون الحاجة إلى اعتراف مباشر بخسارة الآخر.
في المحصلة، يتحول الاتفاق إلى نص قابل للتأويل، يُقرأ في واشنطن كدليل على نجاح الضغط، وفي طهران كبرهان على الصمود وفرض الشروط. وبين الروايتين، تتشكل صورة مركبة يصعب فصلها عن سياقها السياسي والإعلامي، حيث لا تقتصر المعركة على ما حدث، بل تمتد إلى كيفية روايته وتقديمه. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 1