بدت الضاحية الجنوبية لبيروت مختلفة بعد إعلان وقف إطلاق النار، إذ لم تشهد الاندفاع المعتاد للنازحين نحو منازلهم كما في جولات سابقة، بل دخلها السكان على شكل أفواج محدودة، في مشهد يبين تحوّلاً واضحاً في المزاج العام، حيث امتزجت الرغبة في العودة بالحذر والخوف من تكرار التجربة.
في محيط "مجمع القائم" بمنطقة صفير، تتجول إحدى السكان بين الأبنية المتضررة، تتفحص المكان بصمت ثقيل، بعدما تغيّرت معالم الحي بشكل كبير الطرقات التي كانت مألوفة أصبحت صعبة التعرّف، والمباني التي شكّلت ذاكرة المكان تحولت إلى كتل من الركام الوصول إلى المنزل لم يعد خطوة بسيطة، فالأبواب أُغلقت بسلاسل حديدية بعد أن فُتحت بفعل شدة القصف، والمشهد العام يوحي بفراغ ثقيل أكثر منه عودة للحياة.
محاولات الدخول إلى الأبنية تصطدم بواقع قاسٍ؛ وحدات سكنية متضررة، خدمات أساسية شبه غائبة، ومياه وكهرباء غير متوفرة التجول في الأحياء يكشف حجم الدمار بصورة أوضح من أي تغطية إعلامية، إذ تبدو الأضرار أوسع مما تنقله الصور، مع انتشار آثار القصف في كل زاوية تقريباً.
يتكرر المشهد في مناطق عدة من الضاحية، حيث عاد عشرات السكان لتفقد منازلهم أو لانتشال ما تبقى من أغراضهم، قبل اتخاذ قرار بشأن العودة النهائية، كثيرون يفضّلون البقاء في مناطق نزوحهم المؤقتة بانتظار اتضاح مصير الهدنة، خاصة بعد تجارب سابقة فرضت عليهم مغادرة منازلهم بشكل مفاجئ.
في منطقة الكفاءات، يقف أحد السكان أمام منزله الذي قضى فيه عقوداً، يتأمل الأضرار التي لحقت بالشرفات والنوافذ. الزجاج متناثر في كل مكان، والمبنى المقابل سُوّي بالأرض بالكامل. الدخول إلى المنزل يقتصر على جمع بعض الاحتياجات الأساسية، فيما يبقى قرار العودة معلقاً بمدى استقرار الوضع الميداني.
تتسع الخسائر لتشمل أكثر من موقع، حيث فقد بعض السكان منازلهم في الضاحية وأخرى في الجنوب، في مشهد يضاعف من حجم الخسارة ويعقّد خيارات المرحلة المقبلة. الإقامة المؤقتة في مناطق داخل بيروت أو ضواحيها تبدو خياراً أقل مخاطرة، رغم تعرض بعض هذه المناطق بدورها للقصف.
المقارنة مع جولات سابقة، خاصة عام 2024، تكشف اختلافاً لافتاً في حجم الدمار، حيث تبدو الأحياء المتضررة اليوم أكثر اتساعاً، مع مناطق سُويت بالكامل بالأرض، خصوصاً في صفير والمناطق المحيطة بها. ضربات جوية مركّزة طالت عدة مبانٍ دفعة واحدة، ما أدى إلى تدمير أحياء كاملة وليس مجرد أضرار جزئية.
في بئر العبد، تقف إحدى السكان أمام ما تبقى من مبناها، تحاول انتشال بعض المقتنيات من بين الركام. لم يتبق سوى أجزاء محدودة من البناء، بينما تحاول جارتها البحث عن أي أثر لمنزلها دون جدوى. العثور على حقيبة صغيرة أو قطعة من الأثاث يتحول إلى حدث مؤلم يختزل حجم الخسارة.
القلق يطغى على الأحاديث بين السكان، حيث تتكرر الأسئلة حول المستقبل: هل تتم إعادة الإعمار؟ هل يمكن العودة قريباً؟ أم أن النزوح سيطول؟ الخيارات تبدو مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل غياب وضوح بشأن المرحلة المقبلة.
يترافق ذلك مع صدمة نفسية واضحة، خاصة لدى من فقدوا منازلهم بالكامل أو شاهدوا أحياءهم تختفي. بعض القصص تعكس حجم الأثر الإنساني، مثل من أنهى تجهيز منزله قبل أيام من اندلاع الحرب، ليجده بعد أسابيع ركاماً.
الهدوء الذي يسود الضاحية بعد الهدنة لا يشبه عودة الحياة، بل يبدو أقرب إلى سكون مؤقت، يرافقه ترقب وحذر. الحركة محدودة، والأصوات خافتة، والوجوه تحمل مزيجاً من الحزن والتردد.
رغم ذلك، يبقى الارتباط بالمكان حاضراً بقوة، حيث يصر كثيرون على العودة ولو بشكل تدريجي، في محاولة لاستعادة جزء من الحياة التي توقفت. الضاحية التي اعتادت النهوض بعد كل جولة قتال، تواجه اليوم اختباراً جديداً، مع دمار أوسع وتجربة أثقل.
في المحصلة، تبين العودة البطيئة إلى الضاحية الجنوبية مشهداً مركباً، يجمع بين الرغبة في الاستقرار والخوف من المجهول، في وقت لا تزال فيه آثار الحرب حاضرة في كل زاوية، وتبقى الإجابة عن مستقبل المنطقة مؤجلة إلى حين اتضاح مسار الأيام المقبلة.