سجلت حاملة الطائرات الأميركية يو إس إس جيرالد آر فورد رقماً قياسياً جديداً لأطول فترة انتشار عسكري في حقبة ما بعد حرب فيتنام، بعد بقائها في البحر لمدة 295 يوماً متواصلة، في ظل تصاعد العمليات العسكرية الأميركية على أكثر من جبهة.
تجاوزت مدة الانتشار الرقم القياسي السابق المسجل باسم يو إس إس أبراهام لينكولن، التي أمضت 294 يوماً في الخدمة عام 2020 خلال جائحة كورونا، وفق بيانات المعهد البحري الأمريكي. الفارق الزمني المحدود يعكس ضغطاً تشغيلياً غير مسبوق على حاملات الطائرات الأميركية.
بدأ انتشار الحاملة في نوفمبر الماضي في منطقة البحر الكاريبي ضمن تحرك عسكري مرتبط بملف فنزويلا، قبل انتقالها إلى الشرق الأوسط في فبراير، قبيل اندلاع الحرب مع إيران التي استمرت 40 يوماً. خلال تلك المرحلة، أدت الحاملة دوراً محورياً في العمليات الجوية والبحرية، مع تنفيذ طلعات مستمرة ودعم مباشر للتحركات العسكرية.
تمثل "جيرالد فورد" أكبر حاملة طائرات في العالم، وتُعد حجر أساس في استراتيجية الانتشار البحري الأميركي، إذ توفر قدرة عالية على تنفيذ عمليات بعيدة المدى دون الاعتماد على قواعد برية. وجودها في مناطق التوتر يمنح واشنطن مرونة في إدارة العمليات العسكرية وتوجيه الرسائل الاستراتيجية.
لم تعلن وزارة الدفاع الأمريكية مدة الانتشار بشكل رسمي، إلا أن تقديرات عسكرية رجحت استمرار المهمة لنحو 11 شهراً، مع احتمال العودة في أواخر مايو، ما لم يتم تمديد المهمة مرة أخرى. هذا السيناريو يضع الطاقم أمام فترة خدمة طويلة تتجاوز المعدلات المعتادة.
خلال الانتشار، واجهت الحاملة حادثاً بارزاً تمثل في اندلاع حريق في 12 مارس داخل غرف الغسيل الرئيسية أثناء وجودها في مياه البحر الأحمر. أعلن الأسطول الخامس الأمريكي إصابة بحارين، مع التأكيد على عدم ارتباط الحادث بأي عمل قتالي.
استغرقت عمليات إخماد الحريق أكثر من 30 ساعة، وفق تقارير نقلتها نيويورك تايمز، ما يعكس حجم التحدي الذي واجهه الطاقم في السيطرة على النيران داخل منشأة عسكرية معقدة. لاحقاً، جرى التخطيط لنقل الحاملة إلى قاعدة بحرية في اليونان لإجراء إصلاحات وصيانة ضرورية.
تزامن الحريق مع استمرار الحاملة في دعم عمليات عسكرية ضمن ما يُعرف بـ"عملية الغضب الملحمي"، وهو ما زاد من الضغط التشغيلي على الأنظمة والطاقم. العمل المتواصل في بيئة عملياتية عالية الكثافة ساهم في استنزاف الموارد البشرية والفنية.
أُبلغ الطاقم في مارس بإمكانية تمديد فترة الانتشار حتى مايو، ما يعني اقتراب مدة الخدمة من عام كامل، أي ضعف المدة التقليدية تقريباً. هذا الامتداد يعكس متطلبات المرحلة الحالية التي تشهد انتشاراً واسعاً للقوات الأميركية في أكثر من منطقة.
حذر خبراء في الشؤون العسكرية من تداعيات فترات الانتشار الطويلة، مشيرين إلى أنها تؤدي إلى إرهاق الطواقم وتقليل الكفاءة التشغيلية مع مرور الوقت. كما أن تأجيل أعمال الصيانة الدورية نتيجة الضغط المستمر قد يؤثر على الجاهزية الفنية للحاملة في المستقبل.
دخلت الحاملة الخدمة في يوليو 2017، وتبلغ تكلفة بنائها نحو 12 مليار دولار، وتتميز بأنظمة إطلاق كهرومغناطيسي متطورة، إلى جانب مفاعلين نوويين يتيحان لها العمل لفترات طويلة دون الحاجة إلى التزود بالوقود. تحمل أكثر من 75 طائرة، وتوفر منصة متكاملة للعمليات الجوية والبحرية.
يشير طول فترة الانتشار إلى تحول في نمط استخدام القوة البحرية الأميركية، حيث تعتمد واشنطن بشكل متزايد على حاملات الطائرات للحفاظ على حضور دائم في مناطق التوتر. هذا التوجه يعكس اتساع نطاق التحديات الأمنية، مع تزايد الاعتماد على الانتشار المستمر بدلاً من الدوريات القصيرة.
في المحصلة، يبرز انتشار "جيرالد فورد" كأحد أطول وأكثف المهام البحرية في العقود الأخيرة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على القوات الأميركية لمواصلة الانتشار في بيئة دولية متقلبة، ما يطرح تساؤلات حول استدامة هذا النمط من العمليات على المدى الطويل.