تكشف صور الأقمار الصناعية واقعاً معقداً في السودان بعد مرور 1100 يوم على اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث لم تعد خريطة البلاد كما كانت. يتوزع المشهد بين مناطق تستعيد الحد الأدنى من الحياة، وأخرى تنزلق نحو مزيد من الانهيار، في صورة تبين تعدد مسارات الصراع واختلاف نتائجه بحسب الجغرافيا والسيطرة الميدانية.
الخرطوم بين الدمار وبوادر التعافي:
تعرضت الخرطوم لدمار واسع طال البنية التحتية والمرافق الحيوية، لكنها بدأت تسجل مؤشرات تعافٍ تدريجي يظهر مطار الخرطوم الدولي تحولاً لافتاً بعد سنوات من التوقف، حيث رصدت الصور إزالة حطام الطائرات وتنظيف المدرجات وإعادة تأهيل الصالات.
سيطرة الجيش على محيط المطار في مارس 2025 أعادت تشغيله تدريجياً، مع تسجيل أول هبوط لطائرة مدنية في فبراير 2026 عودة الحركة حول المطار، وازدياد نشاط الآليات الخدمية، يعكسان استعادة أحد أهم المرافق السيادية.
الجسور التي تعطلت خلال المعارك، مثل جسر الحلفايا وشمبات، عادت جزئياً للخدمة. فتح المسارات وعودة المركبات أعادا الربط بين مدن العاصمة الثلاث، ما خفف العزلة وساهم في تحريك النشاط اليومي.
دارفور بين العسكرة والانهيار الحضري:
في إقليم دارفور، يتخذ المشهد مساراً مختلفاً. المدن الرئيسية مثل نيالا والفاشر فقدت وظائفها المدنية تدريجياً.
مطار نيالا تحول إلى موقع عسكري، مع انتشار تحصينات ومخيمات داخل محيطه، واستخدامه كنقطة دعم لوجستي هذا التحول يبين إعادة توظيف البنية التحتية المدنية في خدمة العمليات العسكرية.
في الفاشر، تراجعت الحركة الاقتصادية بشكل حاد الأسواق الرئيسية خلت من النشاط، وحركة المركبات اختفت تقريباً. بيانات الإضاءة الليلية لعام 2026 أظهرت انخفاضاً كبيراً في النشاط، ما يدل على نزوح واسع للسكان وتراجع الحياة الحضرية.
مخيمات النزوح كخريطة موازية:
أدى تفريغ المدن إلى نشوء تجمعات سكانية جديدة خارج المراكز التقليدية المخيمات توسعت بسرعة وتحولت إلى كيانات شبه حضرية.
مخيم العفاض في الولاية الشمالية نما من مساحة مفتوحة في سبتمبر 2025 إلى أكثر من 644,000 متر مربع بحلول أبريل 2026. كذلك مخيم الأبيض في شمال كردفان تجاوز 518,000 متر مربع.
هذا التوسع يبين نمطاً واضحاً: تقلص المدن يقابله تمدد المخيمات، ما يعيد توزيع السكان خارج الأطر الحضرية التقليدية، ويخلق واقعاً ديمغرافياً جديداً.
الجزيرة واستعادة النشاط الزراعي:
في ولاية الجزيرة تظهر مؤشرات أكثر توازناً بعد تراجع حاد في الإنتاج الزراعي خلال 2024 و2025، سجلت بيانات الغطاء النباتي في يناير 2026 عودة اللون الأخضر لمساحات واسعة.
تأمين قنوات الري واستقرار نسبي في الوضع الأمني ساعدا على استئناف النشاط الزراعي. هذا التطور يحد من مخاطر نقص الغذاء، خاصة مع عودة جزئية للنشاط في الأسواق.
كما ظهرت مؤشرات على تحسن الحركة التجارية في مناطق مثل سوق بحري، حيث رصدت صور الأقمار الصناعية عودة الشاحنات وحركة النقل.
امتداد الصراع خارج الحدود:
الصراع لم يظل محصوراً داخل البلاد. في جنوب شرق ليبيا، كشفت الصور عن نشاط لوجستي في مناطق صحراوية، مع حركة منتظمة لشاحنات ومركبات منذ مارس 2025 وحتى 2026. يشير النشاط إلى وجود خطوط إمداد عابرة للحدود تدعم العمليات داخل السودان، تحديداً في دارفور، ما يضيف بعداً إقليمياً للصراع.
خريطة مزدوجة بين التعافي والتفكك:
ترسم صور الأقمار الصناعية مشهداً مزدوجاً:
مناطق تستعيد بعض الوظائف الأساسية، مقابل مناطق تتجه نحو الانهيار أو التحول العسكري الكامل.
التحولات شملت البنية العمرانية، وتوزيع السكان، والنشاط الاقتصادي. العاصمة تسجل عودة تدريجية، بينما تعاني مناطق أخرى من فراغ سكاني وتراجع اقتصادي حاد.
المحصلة أن السودان لم يعد يعيش مساراً واحداً، بل عدة مسارات متوازية؛ تعافٍ جزئي في بعض الأجزاء، وتفكك متسارع في أجزاء أخرى، في صورة تعكس إعادة تشكيل عميقة للجغرافيا والواقع الإنساني.