كشف المشهد الداخلي بإيران تحولات عميقة في بنية السيطرة، حيث لم يعد نفوذ الحرس الثوري الإيراني مقتصراً على مؤسسات الدولة العليا، بل امتد إلى الشارع عبر ممارسات يومية توضح تصاعد الطابع الأمني بعد الحرب.
تشير شهادات نشرها موقع إيران وير إلى ظهور مجموعات موالية للنظام تُعرف باسم "أبناء حيدر"، تجوب الأحياء وتفرض على أصحاب المحال تقديم الطعام والشراب مجاناً، مع تهديدات بالإغلاق أو مصادرة الممتلكات عند الرفض تنتشر هذه الممارسات في أوقات متأخرة من الليل وحتى ساعات الفجر، ما يمنحها طابعاً منظماً يتجاوز السلوك الفردي.
لا يقتصر الأمر على جانب اقتصادي، بل يعكس تحولاً في طبيعة السيطرة، حيث تنتقل وظيفة "حماية النظام" من الأجهزة الرسمية إلى شبكات محلية تستمد قوتها من ارتباطها بالبنية الأمنية ومن مناخ الحرب يتحول الحي إلى امتداد مباشر للسلطة، وتصبح الممارسات اليومية جزءاً من منظومة الضبط.
يتقاطع هذا المشهد مع تقارير نشرتها رويترز، التي أشارت إلى أن الحرس الثوري عزز نفوذه خلال الحرب، رغم خسائر في صفوف قياداته، واتجه نحو تشديد القبضة على القرار السياسي والعسكري. كما برز اسم مجتبى خامنئي ضمن شبكة علاقات وثيقة مع النخبة المرتبطة بالحرس، في سياق يعزز صعود التيار المتشدد.
تعكس هذه المعطيات انتقالاً تدريجياً من نموذج إدارة تقليدي إلى نموذج تقوده البنية الأمنية، حيث تتراجع المؤسسات المدنية لصالح أجهزة القوة، يرى مراقبون أن البلاد دخلت مرحلة "إعادة هندسة" للمؤسسات، تتقدم فيها الأجهزة الأمنية على حساب الهياكل السياسية التقليدية.
تدعم تقارير إيران إنترناشونال هذا الاتجاه، حيث رصدت انتشار حواجز أمنية ودوريات تابعة لقوات الباسيج في عدد من المدن، إلى جانب عناصر ملثمة ومتطوعين في نقاط تفتيش داخل الأحياء.
ترافق ذلك مع حملة اعتقالات طالت عشرات الأشخاص بتهم تتعلق بالنشاط الإعلامي أو التواصل مع جهات خارجية.
وفق معطيات مركز حقوق الإنسان في إيران، جرى اعتقال ما لا يقل عن 1500 شخص منذ اندلاع الحرب، في مدن عدة بينها طهران وأصفهان ويزد وفارس وخوزستان وكردستان، ضمن حملة شملت اتهامات باستخدام الإنترنت الفضائي أو نشر محتوى اعتُبر مقلقاً.
يتشكل بذلك مستويان متوازيان للسيطرة: مستوى رسمي يعتمد على الحواجز والاعتقالات، ومستوى غير رسمي تمثله مجموعات موالية تتحرك بثقة داخل الأحياء. يوضح هذا التوازي تحولاً في أدوات الضبط، حيث لم يعد القمع مركزياً فقط، بل موزعاً على الفضاء الاجتماعي.
يتزامن ذلك مع تضييق على تدفق المعلومات، إذ أشارت منظمة نت بلوكس إلى دخول البلاد اليوم 47 من الانقطاع شبه الكامل للإنترنت الدولي، ما يحد من قدرة المواطنين على التوثيق والتواصل.
كما حذرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة من تفاقم الأزمة الحقوقية، ووصفت الوضع بأنه قائم على "قمع مؤسسي واسع النطاق"، مع مؤشرات على استخدام ظروف الحرب لتبرير الاعتقالات والاختفاءات القسرية وتشديد الأحكام.
تشير هذه التطورات إلى أن نهاية العمليات العسكرية لم تعنِ نهاية التوتر الداخلي، بل فتحت مرحلة جديدة تتداخل فيها السيطرة الأمنية مع الحياة اليومية يتعزز نفوذ الحرس الثوري، وتتقلص مساحة المؤسسات المدنية، ويتحول الشارع إلى ساحة مراقبة دائمة.
في المحصلة، تتجه إيران نحو نموذج أمني أكثر تغلغلاً، حيث لا يقتصر النفوذ على القرار السياسي، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، في مسار يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد الحرب.