يمثل توقيع الملحق رقم (1) لاتفاق برنامج التنمية الموحد في طرابلس محطة مهمة في مسار معالجة الانقسام المالي الذي استمر أكثر من 13 عاماً، في ظل ازدواجية الإنفاق وتعدد مراكز القرار الاقتصادي بين شرق البلاد وغربها جاء هذا التطور بدعم من بعثة الأمم المتحدة للدعم لدى ليبيا، التي دعت الأطراف المعنية إلى الالتزام بتنفيذ الاتفاق وتعزيز الرقابة على الإنفاق العام.
اعتبر البيان الأممي الاتفاق تقدماً في اتجاه ضبط إدارة الموارد العامة وتعزيز الانضباط المالي، مع التركيز على تحقيق قدر أعلى من الاتساق والمساءلة، وهي عناصر تراجعت خلال سنوات الانقسام، حيث عملت مؤسسات مالية بشكل منفصل دون تنسيق فعلي.
إعلان توحيد الميزانية، الذي جاء على لسان محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، يهدف إلى إنهاء حالة الإنفاق المزدوج التي نشأت نتيجة الانقسام السياسي، حيث تبنت كل جهة سياسات مالية مستقلة، ووجهت الموارد وفق أولويات مختلفة، ما أدى إلى تضخم النفقات وتراجع كفاءة إدارة المال العام.
الانقسام المالي لم يكن مجرد نتيجة للخلاف السياسي، بل أصبح جزءاً منه، إذ ارتبطت إدارة الموارد النفطية والإنفاق العام بمراكز النفوذ، ما أدى إلى نشوء منظومتين ماليتين تعملان بشكل منفصل، مع اختلاف واضح في آليات الصرف ومجالاته.
الخلافات امتدت إلى مشاريع التنمية، حيث أطلقت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برامج تحت عنوان "عودة الحياة"، بينما أطلقت السلطات في شرق البلاد مشاريع "إعادة الإعمار"، ما أدى إلى تداخل المشاريع وغياب رؤية وطنية موحدة للتنمية.
في هذا السياق، يحمل اتفاق الإنفاق الموحد أبعاداً تتجاوز الجانب المالي، إذ يرتبط بإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات الاقتصادية، وفرض معايير موحدة للإنفاق، بما يقلل من الهدر ويحد من تضارب السياسات.
شددت بعثة الأمم المتحدة على ضرورة الالتزام بالتنفيذ، مع التأكيد على أهمية الشفافية والإفصاح عن الإيرادات، خاصة في قطاع النفط، الذي يمثل المصدر الرئيسي للدخل في البلاد.
كما دعت إلى تعزيز الحوكمة في قطاع المحروقات، عبر تطوير آليات إدارة الإيرادات وضمان توزيعها بشكل عادل بين مختلف المناطق، بما يسهم في تقليل النزاعات المرتبطة بالثروة.
من الجوانب الأساسية في الاتفاق تعزيز دور مؤسسات الرقابة المالية، حيث طالبت البعثة بتوحيد هذه المؤسسات ومنحها استقلالية كافية لمتابعة تنفيذ الإنفاق، وضمان الالتزام بالمعايير القانونية والمالية.
على المستوى السياسي، يأتي الاتفاق في ظل استمرار الانقسام بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، المعترف بها دولياً، والسلطات المرتبطة بمجلس النواب في شرق البلاد، ما يجعل تنفيذ الاتفاق مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على تجاوز الخلافات.
توحيد الإنفاق قد يسهم في إعادة بناء الثقة بين المؤسسات، ويمهد لإصلاحات اقتصادية أوسع، تشمل ضبط السياسات المالية وتحسين بيئة الاستثمار، وهي ملفات تأثرت سلباً بالانقسام.
كما قد ينعكس ذلك على الأوضاع المعيشية، من خلال تحسين توزيع الخدمات وتقليل الفوارق بين المناطق، وهو عامل مهم في دعم الاستقرار الداخلي.
في المقابل، تبقى تحديات التنفيذ قائمة، خاصة في ظل تجارب سابقة لم تحقق النتائج المرجوة بسبب الخلافات السياسية أو ضعف المتابعة.
هناك أيضاً تحديات تتعلق ببناء منظومة شفافة لإدارة الإيرادات، في ظل تداخل الصلاحيات وضعف التنسيق بين المؤسسات خلال السنوات الماضية.
على المستوى الدولي، يحظى الاتفاق باهتمام واسع، نظراً لدور ليبيا في سوق الطاقة، حيث يؤثر استقرار إنتاج النفط وتصديره على الأسواق العالمية.
أكدت بعثة الأمم المتحدة استمرار دعمها للمسار السياسي الذي يقوده الليبيون، مع التركيز على توحيد المؤسسات الاقتصادية، باعتباره خطوة أساسية نحو إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تعيد تشكيل المشهد السياسي.
في المحصلة، يفتح اتفاق "الإنفاق الموحد" فرصة لإعادة تنظيم الإدارة المالية في ليبيا، لكنه يظل مرتبطاً بمدى الالتزام بالتنفيذ وقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات إلى إجراءات عملية تنعكس على حياة المواطنين.