تتزايد المقارنات بين التحركات الأمريكية تجاه إيران وبين ما يوصف بـ"نموذج فنزويلا"، إلا أن معطيات الواقع العسكري والسياسي تشير إلى اختلافات جوهرية تجعل تطبيق السيناريو نفسه في منطقة الخليج أمرا معقدا. ويأتي ذلك في ظل توجه أمريكي لتشديد الضغوط على طهران، يتضمن طرح خيار فرض حصار بحري على مضيق هرمز، وهو ما يثير تساؤلات حول قابلية التنفيذ وتداعياته.
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أشار إلى إمكانية تبني مقاربة مشابهة لتلك التي استُخدمت في فنزويلا، متوعدا بفرض إجراءات بحرية فورية تشمل اعتراض السفن التي تتعامل مع إيران، إضافة إلى عمليات إزالة ألغام بحرية وتعزيز الجاهزية القتالية للقوات الأمريكية في المنطقة.
لكن تقديرات عسكرية ترى أن الفارق بين الحالتين يتجاوز الشكل إلى طبيعة البيئة الاستراتيجية. فبحسب تحليلات خبراء، فإن فنزويلا تندرج ضمن نطاق النفوذ الجغرافي المباشر للولايات المتحدة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، بينما تُصنَّف إيران ضمن بيئة صراعية أكثر تعقيدا، ترتبط بتوازنات إقليمية ودولية متعددة.
ويبرز العامل الجغرافي كأحد أبرز عناصر الاختلاف، إذ يشكل مضيق هرمز نقطة حيوية في الاقتصاد العالمي، نظرا لمرور نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة عبره. ولا يقتصر تأثير أي اضطراب في هذا الممر على الدول المنتجة للنفط، بل يمتد إلى أسواق الغذاء والصناعة عالميا، ما يرفع كلفة أي تصعيد محتمل.
كما تختلف طبيعة الانتشار العسكري في المنطقتين، حيث تتمتع إيران بقدرات ميدانية قريبة من مسرح العمليات، مستفيدة من سواحل طويلة وجزر استراتيجية تمنحها إمكانية التأثير المباشر في حركة الملاحة. هذه العوامل تمنح طهران أدوات ضغط ميدانية لا تتوافر بنفس الدرجة في الحالة الفنزويلية.
في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على تفوقها التكنولوجي والعسكري، بما يشمل استخدام مجموعات بحرية متقدمة وأنظمة مراقبة فضائية، ما يتيح لها نظريا فرض رقابة على خطوط الملاحة. إلا أن هذا التفوق لا يلغي المخاطر المرتبطة بالاحتكاك المباشر في بيئة جغرافية ضيقة وحساسة.
وتشير المعطيات إلى أن أي محاولة لفرض حصار في مضيق هرمز ستواجه تحديات تتعلق بضمان استمرار تدفق التجارة الدولية، إذ تسعى واشنطن إلى تنفيذ إجراءات توصف بـ"الانتقائية"، بهدف تجنب تعطيل حركة السفن المتجهة إلى دول أخرى في المنطقة، وهو ما يعكس إدراكا لحساسية الموقع وتأثيره العالمي.
من ناحية أخرى، يختلف السياق السياسي المحيط بكل حالة، إذ تشهد منطقة الخليج منذ عقود توترات وصراعات متداخلة، بينما كان التحرك في فنزويلا مرتبطا بأهداف محددة مثل مكافحة تهريب المخدرات وتعزيز السيطرة على موارد الطاقة.
كما تلعب القوى الدولية دورا في تعقيد المشهد، حيث يُنظر إلى الموقف الصيني، على سبيل المثال، باعتباره عاملا مؤثرا في حسابات التصعيد، في ظل احتمال استفادة بكين من انشغال واشنطن في مسرح عمليات مكلف، سواء من حيث الموارد أو الانتشار العسكري.
في هذا الإطار، تبرز ورقة مضيق هرمز كأحد أبرز عناصر التوازن، إذ يمنح الموقع الجغرافي إيران قدرة على التأثير في كلفة أي تحرك عسكري ضدها، وهو ما يجعل أي سيناريو للمواجهة مختلفا بطبيعته عن التجربة الفنزويلية.
بناء على ذلك، تعكس المقارنة بين الحالتين تباينا واضحا في البيئة الاستراتيجية والأدوات المتاحة لكل طرف، ما يجعل استنساخ نموذج واحد في سياقات مختلفة أمرا غير مضمون النتائج، خاصة في منطقة ترتبط استقرارها المباشر بالاقتصاد العالمي.