الليرة السورية تحت الضغط.. تدهور متسارع وتعافٍ مؤجل

2026.04.10 - 04:25
Facebook Share
طباعة

مسار هابط وضغوط متزايدة
يشهد المشهد النقدي في سوريا تدهوراً متسارعاً خلال الأسابيع الأخيرة، حيث فقدت الليرة السورية نحو 6% من قيمتها خلال أقل من شهرين، في مؤشر يعكس هشاشة البنية الاقتصادية وعجزها عن امتصاص الصدمات الداخلية والخارجية، وسط تساؤلات متزايدة حول فرص التعافي النقدي.
تراجع سعر الصرف
سجل سعر الدولار في السوق غير الرسمية نحو 117 ليرة قبل حوالي ستين يوماً، قبل أن يرتفع إلى 125 ليرة في التداولات الأخيرة، ضمن مسار تراجعي تدريجي تزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية عشية الحرب بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى.
أسباب أعمق من التوترات
رغم تأثير التطورات الإقليمية، إلا أنها لا تمثل السبب الجوهري الوحيد لتراجع العملة، إذ يواجه الاقتصاد فاتورة استيراد مرتفعة، إلى جانب شح حاد في القطع الأجنبي، في ظل جمود شبه كامل للناتج المحلي الإجمالي نتيجة تدهور قطاعي التصنيع والزراعة، وهما ركيزتان أساسيتان لأي اقتصاد منتج.
انعكاسات مباشرة على الأسعار
انعكس تراجع الليرة بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات، مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي إلى نحو 13%، وهي فجوة تنتقل سريعاً إلى تكاليف المعيشة، مسببة ارتفاعات قياسية في الأسعار.
احتياطيات متآكلة وصادرات متراجعة
يؤكد خبراء أن الاقتصاد السوري يقف على أرضية نقدية شديدة الهشاشة، في ظل تآكل كبير في احتياطيات القطع الأجنبي وغياب الشفافية حول حجمها، بعدما كانت تُقدّر بنحو 18.5 مليار دولار قبل عام 2011.
في المقابل، تراجعت الصادرات من 18.4 مليار دولار إلى نحو 1.8 مليار دولار، ما يعكس انكماشاً حاداً في مصادر العملة الصعبة، ويضعف قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الأساسية.
إجراءات نقدية محدودة الأثر
لم تُحدث الإجراءات النقدية الأخيرة، بما في ذلك طرح “الليرة الجديدة” أو سحب السيولة من السوق، تحولاً جوهرياً، بل خلقت طلباً مؤقتاً سرعان ما تلاشى، دون معالجة جذور الأزمة.
“لحاق” مستمر لقيمة العملة
تشير المعطيات إلى أن سعر الصرف في حالة “لحاق” مستمرة بالقيمة الحقيقية المتراجعة للعملة نتيجة التضخم واختلال الميزان الخارجي، ما يفسر استمرار الضغوط على الليرة رغم أي تحسنات شكلية.
فجوة الصرف بالأرقام
بلغ سعر الدولار في السوق الموازية نحو 12,700 ليرة، مقابل حوالي 11,000 ليرة في السعر الرسمي، بفجوة تُقدّر بنحو 13%، وهي فجوة تنعكس مباشرة على الأسعار في السوق.
موجة غلاء متسارعة
خلال آذار/مارس 2026، شهدت الأسواق ارتفاعات ملحوظة في أسعار السلع الأساسية، حيث زادت أسعار السكر والأرز بما لا يقل عن ألف ليرة للكيلوغرام، فيما وصل سعر ليتر الزيت إلى 24–25 ألف ليرة في بعض المناطق، ما يعكس سرعة انتقال تقلبات سعر الصرف إلى حياة المواطنين.
تضخم يقترب من الهيكلي
بلغت كلفة سلة الغذاء نحو مليوني ليرة مع بداية عام 2026، في ظل تضخم سنوي قُدّر بنحو 95% خلال عام 2025، ما يشير إلى دخول الاقتصاد مرحلة تضخم هيكلي، حيث تتغذى الأسعار وسعر الصرف على بعضهما ضمن حلقة مفرغة.
العوامل الداخلية هي المحرك
يرى الخبراء أن ربط تراجع الليرة بالتوترات الإقليمية فقط يُعد مبالغاً فيه، نظراً لمحدودية اندماج الاقتصاد السوري في الأسواق العالمية، ما يجعل ضعف الإنتاج وارتفاع الاستيراد المحركين الأساسيين للأزمة.
ضغوط مستمرة على الليرة
يحذر الخبراء من أن استمرار الاختلالات، إلى جانب تثبيت سعر رسمي لا يعكس الواقع لأسباب سياسية، سيُبقي الطلب على الدولار مرتفعاً، ويدفع نحو مزيد من التراجع، مع تصاعد ظاهرة التسعير بالدولار وتزايد الاعتماد على الحوالات الخارجية كمصدر بديل للعملة الصعبة.
سعر الصرف الرسمي
يبقي مصرف سوريا المركزي سعر صرف الدولار عند:
11,000 ليرة للشراء و11,100 ليرة للبيع (بالليرة القديمة)
110 ليرات للشراء و111 ليرة للبيع (بالليرة الجديدة)
“الدولرة” كخيار مطروح
أعاد التذبذب الحاد في سعر الصرف طرح فكرة “الدولرة” كبديل لضبط السوق، إلا أن هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة.
عوائق تطبيق الدولرة
يوضح باحثون أن تطبيق الدولرة يتطلب سيولة تتجاوز مليار دولار، وهو رقم غير متاح في ظل شح الموارد، خاصة مع تراجع الصادرات وتوقف قطاع السياحة.
كما تواجه الدولرة تحديات تقنية ولوجستية، منها نقص الفئات النقدية الصغيرة وارتفاع مخاطر التزوير، ما قد يؤدي إلى فوضى نقدية بدلاً من الاستقرار.
مخاطر سيادية
يحذر الباحثون من أن اعتماد الدولار يحمل مخاطر سيادية كبيرة، إذ يفقد البنك المركزي أدواته في إدارة السياسة النقدية، ويجعل الاقتصاد عرضة للتقلبات الخارجية، بما في ذلك التضخم العالمي وأسعار الفائدة الأميركية.
التعافي المشروط بالإصلاح
يؤكد الخبراء أن أي تحسن في سعر الصرف سيظل مؤقتاً ما لم يرتبط بإصلاحات اقتصادية حقيقية تعيد تنشيط الإنتاج وتحدّ من الاستيراد، مشددين على أن قيمة الليرة ترتبط بقدرة الاقتصاد على الإنتاج وليس بسعر الصرف وحده.
فجوة بين الواقع والآمال
يبقى المواطن السوري في مواجهة موجة غلاء متصاعدة، يدفع ثمنها مع كل تراجع جديد في قيمة العملة، في وقت تتسع فيه الفجوة بين وعود التعافي النقدي وواقع اقتصادي يفتقر إلى التوازنات الأساسية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 5