يتداخل التصعيد العسكري الإسرائيلي مع التوتر السياسي الداخلي في لبنان، حيث فتحت الغارات التي استهدفت بيروت سجالاً داخل مجلس الوزراء بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزراء "الثنائي الشيعي"، في لحظة حساسة تواجه فيها البلاد تحديات أمنية وسياسية متشابكة.
الضربات الجوية التي نُفذت خلال دقائق معدودة أحدثت دماراً واسعاً في أحياء من العاصمة، أسفرت عن سقوط مئات الشهداء والجرحى، مما أعاد أجواء الحرب إلى الواجهة وأثار حالة من القلق في الشارع اللبناني، خاصة مع اتساع رقعة الاستهداف لتشمل مناطق مدنية.
سياسياً، ربطت قراءات عدة هذا التصعيد بمسار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، تحديداً مع موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرافض لشمول لبنان في أي اتفاق، واستناده إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تفيد بأن الهدنة لا تشمل الساحة اللبنانية.
في موازاة ذلك، أشارت معطيات دبلوماسية إلى أن إدارة ترامب لا تزال متمسكة بمسار التهدئة مع طهران، رغم الضغوط الإسرائيلية، مع بروز أدوار لدول مثل باكستان والصين في الدفع نحو تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انهياره.
داخلياً، انعكست هذه التطورات على جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في بيروت، حيث طرح نواف سلام ملف بسط سلطة الدولة في العاصمة وتعزيز حضور الأجهزة الأمنية، بما يشمل الحد من السلاح غير الرسمي، وهو طرح حظي بدعم عدد من الوزراء.
في المقابل، اعترض وزراء "الثنائي الشيعي" على مقاربة الملف في هذا التوقيت، معتبرين أن الأولوية يجب أن تكون لمواجهة تداعيات العدوان الإسرائيلي وتأمين الحماية للمدنيين، وليس فتح ملفات داخلية حساسة.
شدد وزير الصحة ركان ناصر الدين خلال الجلسة على ضرورة عدم ربط الإجراءات الأمنية بالتصعيد العسكري، مؤكداً أن حماية المواطنين تتطلب معالجة متوازنة تأخذ في الاعتبار الأوضاع الميدانية وتعقيداتها.
كما برزت مواقف سياسية خارج الحكومة، من بينها طرح النائب فؤاد مخزومي الذي سبق أن دعا إلى نزع السلاح غير الرسمي في بيروت وتعزيز سلطة الدولة، وهو ما عاد إلى الواجهة في ظل التطورات الأخيرة.
يرى مراقبون أن السجال يعكس صراعاً بين منطقين داخل الدولة اللبنانية: الأول يدعو إلى تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية في ظل الفوضى الأمنية، والثاني يفضّل تأجيل هذه الملفات في ظل التصعيد الخارجي، خشية انعكاسها على الاستقرار الداخلي.
في المقابل، يستعد الحزب لمرحلة جديدة يصفها مقربون لوسائل إعلام محلية بأنها "اختبارات قاسية"، في ظل تغير طبيعة المواجهة وتبدل قواعد الاشتباك مقارنة بمراحل سابقة، مع ترقب لما ستؤول إليه التطورات الإقليمية.
المشهد العام يعكس تداخلاً واضحاً بين التصعيد الخارجي والانقسام الداخلي، حيث تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في احتواء تداعيات الضربات العسكرية، وإدارة الخلافات السياسية المتصاعدة.
ومع استمرار الضغوط الدولية والإقليمية، يبقى مستقبل الاستقرار في بيروت مرهوناً بقدرة الأطراف على تجنب الانزلاق نحو مزيد من التصعيد، سواء على المستوى الأمني أو السياسي.