برزت باكستان كطرف وسيط في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، في تطور يعكس تحولا في موقعها ضمن التوازنات الدولية، بعد فترة كانت تُصنّف فيها ضمن الأدوار الثانوية في المشهد الجيوسياسي.
ووفقا لتقارير نشرتها صحيفة نيويورك تايمز وصحيفة ذا تايمز، فإن هذا الدور لم يكن وليد لحظة، بل جاء نتيجة تحرك دبلوماسي متعدد المسارات، جمع بين الانخراط المباشر مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والاستفادة من علاقاتها التاريخية والجغرافية مع إيران.
في هذا الإطار، اعتمدت إسلام آباد على قنوات اتصال مكثفة مع واشنطن، بالتوازي مع توظيف موقعها كدولة مجاورة لإيران، ما منحها قدرة على نقل الرسائل وتخفيف التوتر بين الطرفين، خاصة في ظل غياب قنوات تواصل مباشرة فعالة.
ويرى خبراء أن هذا التحرك يمثل تحولا واضحا في السياسة الباكستانية، إذ انتقلت من موقع المتلقي للسياسات الدولية إلى فاعل يسعى للتأثير في مسارات الأزمات. وأشار الباحث مايكل كوغلمان إلى أن هذا الدور يُعد إنجازا لافتا مقارنة بمرحلة سابقة شهدت تراجعا في العلاقات مع واشنطن، خاصة خلال إدارة جو بايدن.
وبحسب المعطيات، لعب قائد الجيش الباكستاني عاصم منير دورا محوريا في هذا المسار، عبر تبني ما وُصف بأساليب دبلوماسية غير تقليدية، شملت بناء علاقات مباشرة مع دوائر القرار في واشنطن، إلى جانب مبادرات سياسية واقتصادية عززت من مستوى التواصل.
كما أسهمت العلاقة الشخصية بين منير وترمب في تسريع وتيرة التنسيق، حيث عقد الطرفان عدة لقاءات خلال الفترة الماضية، ناقشا خلالها سبل احتواء التصعيد، مع إشارات أمريكية إلى إدراك باكستان لطبيعة المشهد الإيراني بحكم القرب الجغرافي والخبرة السياسية.
في الجانب الآخر، استندت باكستان إلى مصالحها الاستراتيجية، إذ تعتمد بشكل كبير على استقرار الملاحة في مضيق هرمز، ما جعل احتواء التصعيد أولوية مباشرة لأمنها الاقتصادي. كما أن علاقاتها الممتدة مع طهران، رغم ما يشوبها من تعقيد، وفّرت لها هامشا للتحرك كوسيط.
وأشارت تقديرات إلى أن المسؤولين الباكستانيين أداروا اتصالات مكثفة بين الطرفين، شملت نقاشات طويلة مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، في محاولة لصياغة إطار تفاهم يمهد للاتفاق.
ورغم هذا النجاح، يلفت محللون إلى أن الدور الباكستاني لا يخلو من تحديات، في ظل سجل سابق من الوساطات التي لم تحقق نتائج مستدامة، إضافة إلى طبيعة العلاقة المعقدة مع إيران، والتي شهدت توترات ميدانية خلال العام الماضي.
كما أن مستقبل الاتفاق لا يزال غير محسوم، خاصة في ظل اعتراضات إسرائيلية على بعض بنوده، واستمرار العمليات العسكرية في لبنان، ما يضع الوساطة أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على التحول من تهدئة مؤقتة إلى تسوية أوسع.
في المحصلة، يعكس هذا التحرك إعادة تموضع لباكستان على الساحة الدولية، حيث تسعى إلى توظيف علاقاتها المتشابكة وأدواتها الدبلوماسية لتعزيز حضورها، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى وسطاء قادرين على إدارة الأزمات المعقدة.