أول يوم من الهدنة يكشف هشاشة الاتفاق

2026.04.09 - 08:26
Facebook Share
طباعة

 دخل اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران حيّز التنفيذ فجر الأربعاء، لمدة أسبوعين، في خطوة تهدف إلى تهيئة الظروف لإطلاق مفاوضات سياسية تنهي الحرب التي اندلعت في 28 فبراير واستمرت أربعين يوما. ومع ذلك، أظهرت الساعات الأولى من تطبيق الاتفاق مؤشرات واضحة على وجود خلافات عميقة بشأن تفسير بنوده ونطاقه.

في هذا السياق، برز ملف لبنان كأحد أبرز نقاط الخلاف منذ البداية. فقد تضاربت التصريحات حول ما إذا كان الاتفاق يشمل الأراضي اللبنانية، إذ أشارت مواقف باكستانية إلى أن الهدنة تمتد إلى لبنان، في حين التزم حزب الله بعدم استهداف إسرائيل عقب إعلان الاتفاق. إلا أن هذا الالتزام لم يقابله توقف في العمليات العسكرية، حيث شنت إسرائيل غارات جوية واسعة النطاق على مناطق مختلفة في لبنان، وُصفت بأنها من الأعنف منذ عام 1982، وأسفرت عن مقتل نحو 182 شخصا وإصابة 890 آخرين وفق بيانات وزارة الصحة اللبنانية.

التصعيد الإسرائيلي في لبنان أثار ردود فعل إيرانية حادة، إذ اعتبرت طهران أن استمرار الهجمات يمثل خرقا مباشرا لوقف إطلاق النار. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الاتفاق يتضمن لبنان، مطالبا الولايات المتحدة بحسم موقفها بين الالتزام بالهدنة أو الاستمرار في دعم العمليات العسكرية عبر إسرائيل.

في المقابل، نفت واشنطن أن يكون لبنان ضمن نطاق الاتفاق، حيث أوضح نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أن الهدنة تقتصر على الحرب مع إيران، مشيرا إلى أن أي تفسير مختلف من الجانب الإيراني لا يعكس التزامات أمريكية. كما اعتبر أن انهيار التفاهم بسبب هذا الملف سيكون نتيجة قرار إيراني. وبدورها، أكدت إسرائيل استمرار عملياتها العسكرية في لبنان، معتبرة أن هذا المسار منفصل عن اتفاق وقف إطلاق النار.

إلى جانب ذلك، ظل مضيق هرمز محور توتر رئيسي خلال اليوم الأول من الهدنة. فقد جاء إعلان وقف إطلاق النار قبل انتهاء مهلة حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإعادة فتح المضيق، ملوحا بتصعيد واسع يستهدف البنية التحتية للطاقة في إيران في حال عدم الالتزام. وأشارت واشنطن إلى تحسن نسبي في حركة الملاحة، مع توقعات بمزيد من الانفراج، لكنها حذرت من عواقب خطيرة إذا لم يتم فتح المضيق بشكل كامل.

في المقابل، لوّحت وسائل إعلام إيرانية بإمكانية إعادة إغلاق المضيق في حال استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان، كما تحدثت تقارير عن إغلاق شبه كامل أمام حركة السفن. وردت الإدارة الأمريكية بالتأكيد على ضرورة إعادة فتحه بشكل فوري وآمن.

على صعيد آخر، ظهرت مؤشرات داخل إسرائيل تعكس تباينا في المواقف تجاه الاتفاق. ففي حين أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن الهدنة تمت بالتنسيق مع حكومته، أشارت تقارير إلى استياء داخل الأوساط الأمنية من عدم إشراك إسرائيل بشكل كافٍ في صياغة الاتفاق. كما انتقد زعيم المعارضة يائير لبيد الاتفاق، واصفا إياه بأنه فشل سياسي في تحقيق أهداف الحرب.

ميدانيا، ورغم سريان الهدنة، شهدت إيران حوادث أمنية غامضة، حيث تم الإبلاغ عن انفجارات في منشآت نفطية بجزيرتي لاوان وسيري في الخليج، مع تأكيد رسمي لاحق بوقوع هجوم استهدف إحدى المصافي دون الكشف عن تفاصيل إضافية.

وفي منطقة الخليج، استمرت الهجمات خلال اليوم الأول من وقف إطلاق النار، إذ أعلنت عدة دول عن اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة أطلقت من إيران. وشملت هذه العمليات السعودية وقطر والبحرين والإمارات والكويت، حيث استهدفت الهجمات بنى تحتية ومنشآت حيوية، بما في ذلك منشآت طاقة. وأدت بعض هذه الهجمات إلى أضرار محدودة وإصابات، رغم نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض الجزء الأكبر منها.

سياسيا، تكثفت التحركات الإقليمية والدولية لدعم استمرار الهدنة ومنع التصعيد، حيث وصل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى السعودية ضمن جولة خليجية تركز على أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي. كما استمرت الاتصالات بين طهران والرياض، في إطار الحفاظ على قنوات التواصل بالتزامن مع التحضير للمفاوضات المقبلة.

وتتجه الأنظار إلى باكستان التي ستستضيف جولة محادثات مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، من المقرر أن تبدأ الجمعة، في محاولة للتوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب. ومن المتوقع أن يقود الوفد الأمريكي نائب الرئيس، بمشاركة عدد من المبعوثين، وسط مؤشرات على احتمال إجراء محادثات مباشرة بين الطرفين.

في المقابل، أبدت طهران تحفظات على مسار الاتفاق، حيث أشار رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى أن ما اعتبره خروقات في ملفات رئيسية، منها لبنان وحقوق التخصيب، يضعف فرص نجاح الهدنة ويثير الشكوك حول جدوى المفاوضات.

تعكس هذه التطورات أن وقف إطلاق النار، رغم دخوله حيز التنفيذ، لا يزال يواجه تحديات كبيرة، في ظل استمرار العمليات العسكرية غير المباشرة، وتباين التفسيرات السياسية، ما يضع مستقبل الاتفاق على المحك قبل بدء جولة التفاوض المرتقبة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 2