تتجه الأنظار إلى تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل مؤشرات متزايدة على هشاشته، رغم الإعلان عنه كإنجاز كبير من الطرفين. فبينما وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاتفاق بأنه "نصر كامل وشامل"، أعلن مجلس الأمن القومي الإيراني تحقيق "نصر عظيم"، في تناقض يعكس تبايناً جوهرياً في تفسير ما تحقق فعلياً على الأرض.
هذا التباين لا يقتصر على الخطاب السياسي، بل يكشف عن فجوات عميقة في بنود الاتفاق، الذي جاء بعد اثنين وأربعين يوماً من التصعيد العسكري المكثف، وأدى إلى إنهاك إقليمي واسع. ويرى مراقبون أن ما جرى لا يمثل تسوية شاملة، وإنما هدنة مؤقتة قابلة للانهيار، في حال استمرار الخلافات دون معالجة.
الاتفاق ينص على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، تمهيداً لانطلاق مفاوضات مباشرة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد. غير أن هذه الترتيبات تفتقر إلى ضمانات واضحة، سواء من حيث آليات التنفيذ أو الرقابة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة الأطراف على الالتزام.
قراءة مواقف الطرفين تكشف أن كل جهة تسعى لتسويق الاتفاق وفق مصالحها. الإدارة الأميركية تركز على استعادة تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز دون اللجوء إلى التصعيد العسكري، في حين ترى طهران أن القبول بمقترحاتها التفاوضية يمنحها موقعاً متقدماً في أي حوار قادم.
ويرى محللون أن الاتفاق أقرب إلى "استراحة محاربين" منه إلى حل دائم، حيث حصلت الولايات المتحدة على إعادة فتح المضيق، بينما كسبت إيران وقتاً لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية والعسكرية. غير أن الملفات الأساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، وتطوير الصواريخ، والنفوذ الإقليمي، لا تزال خارج إطار الحل.
كما أن غياب الثقة بين الطرفين يظل عاملاً حاسماً في تحديد مصير هذه الهدنة. فالتجارب السابقة تشير إلى أن أي خرق، حتى لو كان محدوداً، قد يؤدي إلى تصعيد سريع، خاصة في ظل وجود أطراف إقليمية قد لا تكون راضية بالكامل عن التفاهمات الحالية.
في هذا السياق، يبرز الموقف الإسرائيلي كعنصر إضافي يزيد من تعقيد المشهد فتل أبيب، رغم إعلانها تأييد الاتفاق، لا تبدو مقتنعة بجدواه، خاصة إذا لم يتضمن قيوداً صارمة على البرنامج النووي الإيراني، وهو ما قد يدفعها إلى خطوات منفردة تعرقل مسار التهدئة.
من جهة أخرى، لا تزال الخيارات العسكرية حاضرة لدى طهران، ولاسيما عبر ما يُعرف باستراتيجية "الرد غير المتكافئ"، ما يعني أن أي تصعيد قد يأخذ أشكالاً غير تقليدية، تتجاوز المواجهة المباشرة.
الهدنة الحالية توفر للطرفين فرصة لإعادة التموضع، لكنها لا تعالج جذور الأزمة. فالمفاوضات المرتقبة في إسلام آباد ستواجه تحديات كبيرة، تتعلق بتضارب الأهداف، وتعدد الملفات، وتعقيد البيئة الإقليمية.
نجاح هذه المفاوضات يتطلب توافقاً على قضايا جوهرية، وليس الاكتفاء بإجراءات مؤقتة. وفي حال غياب هذا التوافق، فإن احتمال انهيار الاتفاق يظل مرتفعاً، وقد يؤدي إلى جولة تصعيد أكثر حدة من السابقة.
المرحلة المقبلة تبدو حاسمة، حيث ستحدد نتائج الحوار ما إذا كانت الهدنة ستتحول إلى مسار سياسي مستدام، أو أنها مجرد توقف مؤقت قبل استئناف المواجهة. وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الشرق الأوسط في حالة ترقب، مع استمرار القلق من عودة التوتر إلى مستويات أعلى.