شهدت المواجهة بين إيران وإسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة تصعيدًا ملحوظًا في طبيعة الوسائل العسكرية المستخدمة، مع انتقال واضح نحو صواريخ باليستية مزودة برؤوس عنقودية قادرة على نشر عدد كبير من الذخائر الفرعية في المرحلة النهائية من مسارها.
ووفقًا لما أورده الكاتب إيلي ليون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، يأتي التحول ضمن نمط عملياتي أكثر تعقيدًا يستهدف تجاوز منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية متعددة الطبقات، وفي مقدمتها "مقلاع داود".
وأفادت تقارير عسكرية وإعلامية، من بينها تحليل لشبكة "سي إن إن" وموقع "ذا وور زون"، بأن إيران أطلقت خلال نحو 5 أسابيع أكثر من 500 صاروخ باليستي، بينها 30 صاروخًا مزودًا بذخائر عنقودية، الأمر الذي وضع أنظمة الدفاع أمام تحديات غير مسبوقة من حيث الكثافة والتعقيد.
آلية عمل الصواريخ العنقودية:
تعتمد الصواريخ المزودة بذخائر عنقودية على تفكيك الحمولة القتالية في المرحلة الأخيرة من الطيران، حيث ينفصل الرأس الحربي على ارتفاع يقارب 7 كيلومترات، مطلقًا عشرات القنابل الصغيرة.
يحمل الصاروخ الواحد بين 20 و30 قنبلة فرعية، بينما تصل حمولة بعض الصواريخ الثقيلة، مثل "خرمشهر"، إلى نحو 80 قنبلة. وتنتشر الذخائر على مساحة واسعة تتراوح بين 11 و13 كيلومترًا.
ينتج عن ذلك تحول الهدف من نقطة واحدة إلى عشرات الأهداف الصغيرة والسريعة، وهو عامل يزيد من صعوبة التتبع والاعتراض ضمن زمن محدود.
ثغرة المرحلة النهائية للاعتراض:
تكمن إحدى أبرز نقاط الضعف في توقيت التعامل مع الصاروخ، إذ تعتمد أنظمة مثل "مقلاع داود" على اعتراضه قبل وصوله إلى مرحلة تفكيك الحمولة. وعند حدوث الانفصال، يصبح التعامل مع عدد كبير من الذخائر الفرعية أمرًا بالغ التعقيد.
وأوضح العقيد المتقاعد ديفيد شانك، القائد السابق في الدفاع الجوي الأمريكي، في مقابلة مع مجلة "ذا وور زون"، أن التحدي الرئيسي يتمثل في تدمير الصاروخ قبل إطلاق الذخائر، وهو ما يتطلب قدرات اعتراض مبكرة ودقيقة، مثل تلك التي توفرها أنظمة بعيدة المدى من فئة "حيتس 3".
كما أن صعوبة التمييز بين الصواريخ التقليدية وتلك المزودة بذخائر عنقودية في المراحل الأولى من الطيران تفرض على مشغلي الدفاع اتخاذ قرارات سريعة دون معلومات كاملة، الأمر الذي يزيد من وتيرة استخدام الصواريخ الاعتراضية.
اختلال معادلة الكلفة:
يمثل البعد الاقتصادي أحد أبرز تحديات هذا النوع من الهجمات، إذ تصل تكلفة الصاروخ الاعتراضي المستخدم في منظومات مثل "مقلاع داود" أو "حيتس" إلى ملايين الدولارات، في حين أن القنابل الفرعية أقل تكلفة بكثير.
يفرض هذا التفاوت ضغطًا مستمرًا على الطرف المدافع، حيث يتطلب التصدي لهجوم واحد إطلاق عدة صواريخ اعتراضية مرتفعة الثمن، مقابل ذخائر أقل تكلفة نسبيًا.
يؤدي ذلك إلى استنزاف تدريجي للمخزون الدفاعي، خاصة مع تكرار الهجمات خلال فترات زمنية قصيرة.
الضغط على منظومة الدفاع متعددة الطبقات:
تعتمد إسرائيل على شبكة دفاع جوي متعددة المستويات تشمل "القبة الحديدية" و"مقلاع داود" و"حيتس"، حيث تتكامل الأنظمة لتغطية نطاقات مختلفة من التهديدات.
أدى استخدام الصواريخ العنقودية إلى زيادة الضغط على المنظومة عبر عدة مسارات، أبرزها:
1_تضاعف عدد الأهداف خلال زمن قصير.
2_استهلاك سريع للصواريخ الاعتراضية.
3_ارتفاع العبء على أنظمة الرادار والتتبع.
4_تقليص زمن اتخاذ القرار
في ظل هذه الظروف، ترتفع احتمالات مرور بعض الذخائر دون اعتراض، رغم الكفاءة العالية للمنظومات.
تحليل عسكري للتكتيك المستخدم:
يعتمد الأسلوب على دمج عدة عناصر عملياتية في وقت واحد، مع التركيز على الكثافة العددية وتوقيت الضربات. ويصنف ضمن ما يُعرف عسكريًا بـ"الهجمات المشبعة"، التي تهدف إلى إغراق أنظمة الدفاع بعدد كبير من الأهداف.
تشمل أبرز ملامح النمط:
_إطلاق كثيف ومتزامن للصواريخ.
_تعدد الذخائر داخل الصاروخ الواحد.
_تقليص زمن الاستجابة لدى أنظمة الدفاع.
_استنزاف الموارد الدفاعية عبر الاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية.
يركز هذا النهج على تحقيق اختراقات جزئية كافية لإحداث تأثير ميداني.
سيناريوهات محتملة في المرحلة المقبلة:
تعزيز قدرات الاعتراض المبكر
قد تتجه إسرائيل إلى توسيع الاعتماد على أنظمة اعتراض بعيدة المدى، قادرة على تدمير الصواريخ في مراحل مبكرة قبل وصولها إلى نقطة إطلاق الذخائر الفرعية.
تطوير أنظمة رصد أكثر دقة
تزداد الحاجة إلى تحسين قدرات التمييز بين أنواع الصواريخ منذ لحظة الإطلاق، عبر تقنيات تحليل متقدمة.
الاعتماد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي:
ضيق الزمن المتاح لاتخاذ القرار قد يدفع نحو استخدام أنظمة مؤتمتة لتحديد أولويات الاعتراض بسرعة أعلى وتقليل العبء على العنصر البشري.
استمرار نمط الاستنزاف:
في حال استمرار الهجمات بنفس الوتيرة، قد تتحول المواجهة إلى استنزاف طويل يعتمد على القدرة الاقتصادية واللوجستية.
انتقال التجربة إلى ساحات أخرى:
متابعة قوى دولية لهذه التطورات تفتح المجال أمام تطبيق نماذج مشابهة في مناطق أخرى، خاصة في النزاعات التي تعتمد على التفوق التكنولوجي في الدفاع الجوي.