حذّرت وكالة الطاقة الدولية من اتساع تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب على إيران، مؤكدة أن التأثيرات تمتد إلى بنية الاقتصاد العالمي، مع ضغوط متزايدة على الدول الأكثر هشاشة يأتي ذلك في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتسارع معدلات التضخم، الأمر الذي يضع اقتصادات عديدة أمام اختبار صعب خلال المرحلة المقبلة.
أوضح المدير التنفيذي للوكالة فاتح بيرول أن الدول النامية تتصدر قائمة المتضررين، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.
تشمل هذه الفئة دولاً آسيوية مثل كوريا الجنوبية واليابان، إلى جانب اقتصادات ناشئة مثل إندونيسيا والفلبين وفيتنام وباكستان وبنغلاديش. وتعاني هذه الاقتصادات من اختلالات في ميزان المدفوعات، ما يزيد حساسيتها تجاه ارتفاع كلفة الاستيراد وتباطؤ النمو.
في المقابل، تواجه دول القارة الأفريقية ضغوطاً إضافية نتيجة محدودية الموارد المالية وضعف القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية يؤدي ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية إلى تضخم النفقات العامة، مع تصاعد مستويات الدين وتراجع فرص التمويل.
تفيد تقديرات الوكالة بأن العالم يمر بصدمة مركبة تشمل النفط والغاز والغذاء في وقت واحد، ما يضاعف حدة التأثيرات الاقتصادية وترى أن الأزمة الحالية تفوق في تعقيدها أزمات سابقة، نتيجة تداخل العوامل الجيوسياسية مع اضطراب سلاسل الإمداد.
امتد الأثر إلى قطاعات صناعية حيوية، من بينها الأسمدة والبتروكيميائيات والهيليوم، وهو ما يضع الزراعة والصناعة والتكنولوجيا أمام تحديات متزايدة ويتضح من ذلك أن التأثير لم يعد محصوراً في قطاع الطاقة، بل طال مفاصل أساسية في الاقتصاد العالمي.
باشرت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية عمليات سحب تدريجي من المخزونات النفطية الإستراتيجية في محاولة للحد من ارتفاع الأسعار وتخفيف الضغوط على الأسواق. بلغ حجم السحب نحو 400 مليون برميل، في أكبر عملية من نوعها تاريخياً، وهو ما يعادل نحو خُمس الاحتياطي المتاح.
بدأت هذه الخطوة في دول آسيا والمحيط الهادئ، قبل أن تمتد لاحقاً إلى أوروبا وأميركا الشمالية. وتوفر هذه الإجراءات هامشاً مؤقتاً من الاستقرار، لكنها لا تعالج جذور الأزمة المرتبطة باستمرار اضطراب الإمدادات.
تؤكد الوكالة أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل العامل الأكثر تأثيراً في تهدئة الأسواق، نظراً لدوره المحوري في نقل النفط والغاز. استمرار إغلاقه يؤدي إلى تقليص الإمدادات العالمية بشكل كبير، ما يدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة ويزيد الأعباء على المستهلكين.
وتشير المعطيات إلى تراجع إنتاج دول الخليج إلى أكثر قليلاً من نصف مستوياته السابقة، مع توقف صادرات الغاز الطبيعي من المنطقة، الأمر الذي يضاعف الضغوط على أسواق الكهرباء، خصوصاً في أوروبا التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.
تعرضت نحو 75 منشأة طاقة لأضرار متفاوتة، بينها نسبة كبيرة تعاني من خسائر جسيمة، ما يبطئ عملية استعادة الإنتاج. وتتطلب إعادة التأهيل وقتاً طويلاً واستثمارات ضخمة، ما يعني أن العودة إلى مستويات ما قبل الحرب لن تكون سريعة.
بعض الدول تبدو أكثر قدرة على استعادة نشاطها بفضل إمكاناتها الفنية والمالية، في حين تواجه دول أخرى صعوبات أكبر. ويبرز العراق ضمن أكثر المتضررين، مع تراجع حاد في الإيرادات النفطية وانعكاسات مباشرة على الاقتصاد المحلي.
في المقابل، تفتح الأزمة الباب أمام تحولات هيكلية في منظومة الطاقة العالمية، من خلال تسريع التوجه نحو مصادر بديلة. تشمل هذه التحولات توسيع الاستثمار في الطاقة المتجددة، وإطالة عمر المحطات النووية، وتعزيز مشاريع المفاعلات الصغيرة، إضافة إلى انتشار أوسع للسيارات الكهربائية.
تتركز التحولات بشكل ملحوظ في آسيا، التي تمثل مركز الطلب العالمي على الطاقة، ما يسهم في تغيير أنماط الاستهلاك والإنتاج خلال المرحلة المقبلة.
دعت الوكالة إلى تبني إجراءات فورية للحد من التداعيات، تشمل ترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة الاستخدام وتنويع مصادر الاستيراد كما شددت على أهمية دعم مشاريع الطاقة النظيفة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتعزيز الاستقرار على المدى البعيد.
في ظل هذه المعطيات، تبدو الأزمة الراهنة اختباراً معقداً للاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع الضغوط الجيوسياسية مع التحديات المالية، ما يضع الدول، خصوصاً النامية، أمام مرحلة تتطلب استجابات سريعة ومرنة لتفادي انعكاسات أعمق.