كيف فرّقت الحدود الأسر الكردية بين بلدين؟

2026.04.04 - 02:49
Facebook Share
طباعة

تعيش عائلات كردية على جانبي الحدود بين إيران والعراق ظروفاً إنسانية قاسية، مع اضطرار أعداد كبيرة إلى الانفصال عن أفرادها نتيجة القيود الأمنية والتوترات السياسية لا تقتصر المعاناة على صعوبة التنقل، تمتد إلى تفكك الروابط الأسرية وفرض نمط حياة يقوم على القلق والترقب، حيث تتحول الحدود إلى حاجز دائم يفصل بين الأزواج والأبناء.
على امتداد جبال زاغروس، التي تشكل خطاً فاصلاً بين البلدين، تمتد طرق جبلية وعرة تقود إلى نقاط عبور تشهد ازدحاماً يومياً تصطف المركبات لساعات طويلة، ويقف المسافرون في طوابير بانتظار إنهاء الإجراءات، وسط تدقيق مشدد في الوثائق. لم يعد العبور إجراءً عادياً، أصبح رحلة مرهقة تستنزف الوقت وتثقل الأعصاب.
تفرض القيود المفروضة على الحركة واقعاً جديداً على الأسر، إذ يقيم بعض أفرادها في جانب، بينما يبقى الآخرون في الجانب المقابل يؤدي غياب الإقامات القانونية المستقرة إلى تكرار التنقل، فتغدو اللقاءات العائلية مؤقتة، خاضعة لإجراءات قد تتغير في أي لحظة.
في سنوات سابقة، كان التنقل بين المناطق الحدودية أكثر يسراً، وكانت العلاقات الاجتماعية ممتدة دون عوائق كبيرة أما اليوم، فقد صار كل عبور مرتبطاً بسلسلة من الإجراءات المعقدة التي تستهلك الوقت والجهد، وتضع المسافرين أمام احتمالات التأخير أو المنع هذا التحول فرض نمطاً من الحياة يقوم على الانفصال المؤقت الذي قد يطول دون أفق واضح.
لم يكن الانتقال إلى الجانب العراقي خياراً اقتصادياً فحسب، إذ ارتبط في كثير من الحالات بمحاولات الابتعاد عن ضغوط أمنية وسياسية. يواجه الأكراد في إيران تحديات متعددة، تشمل قيوداً على الحقوق الثقافية واللغوية، إلى جانب صعوبات في مجالي العمل والتعليم. مع تصاعد التوتر، أصبح البحث عن بيئة أكثر أماناً ضرورة لدى كثيرين، حتى وإن جاء ذلك على حساب الاستقرار الأسري.
شكّلت الاحتجاجات التي اندلعت قبل سنوات نقطة تحول، حيث واجهت تلك التحركات إجراءات صارمة أسفرت عن سقوط مئات الضحايا واعتقال عشرات الآلاف وفق تقديرات دولية. دفعت هذه الأحداث أعداداً كبيرة إلى مغادرة مناطقهم، بحثاً عن ملاذ يوفر قدراً من الأمان، وكان إقليم كردستان العراق من أبرز الوجهات.
رغم توفر هامش أوسع من الحريات في الإقليم، فإن الحياة هناك لا تخلو من التحديات يواجه القادمون صعوبات في تأمين فرص عمل مستقرة، ويضطر كثيرون إلى تغيير مجالاتهم المهنية بالكامل، ما يؤدي إلى تراجع الدخل وزيادة الضغوط المعيشية. الانتقال من نمط حياة سابق إلى واقع مختلف يفرض تحديات يومية تتطلب قدرة كبيرة على التكيف.
في المقابل، تعيش الأسر التي بقيت داخل إيران أوضاعاً اقتصادية صعبة، مع تراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع الأساسية. يدفع هذا الواقع الكثيرين إلى الاعتماد على تحويلات مالية من أقاربهم في الخارج، ما يخلق شبكة من الاعتماد المتبادل ويزيد العبء على الجميع.
تفرض حالة الانفصال القسري ضغوطاً نفسية كبيرة، إذ يعيش الآباء والأمهات بعيداً عن أبنائهم لفترات طويلة دون قدرة على متابعة تفاصيل حياتهم. تتحول المكالمات الهاتفية إلى وسيلة أساسية للتواصل، بينما يصبح اللقاء المباشر حدثاً نادراً يتطلب ترتيبات معقدة.
يمتد أثر هذا الوضع إلى الأطفال الذين ينشؤون في بيئة يغيب فيها أحد الوالدين أو كلاهما، ما يؤثر في استقرارهم النفسي والاجتماعي. كما يواجه كبار السن صعوبات إضافية نتيجة غياب الدعم الأسري المباشر، في ظل محدودية الخدمات المتاحة.
تتفاقم المعاناة مع أي تشديد مفاجئ في الإجراءات أو إغلاق المعابر، حيث تتوقف حركة التنقل، وتتعرقل خطط السفر، وتجد العائلات نفسها عالقة بين طرفي الحدود. يزيد هذا الواقع من الشعور بعدم اليقين ويعمّق الضغوط اليومية.
ولا تقتصر التداعيات على الجانب الإنساني، تمتد إلى النشاط الاقتصادي في المناطق الحدودية، حيث تتأثر حركة التجارة والنقل بشكل مباشر. يعتمد كثير من السكان على هذه الحركة كمصدر دخل، ومع أي تعطيل تتراجع الفرص وتزداد الأعباء المالية.
في ظل غياب حلول سياسية واضحة، تستمر هذه المعاناة دون أفق قريب للانفراج. لا توجد آليات فعالة تضمن لمّ شمل الأسر أو تسهيل الحركة عبر الحدود، ما يترك آلاف العائلات في مواجهة واقع معقد يفرض عليهم التكيف مع ظروف قاسية.
في المحصلة، يمتد تأثير الصراع إلى عمق المجتمع، حيث تتحول الحدود إلى خطوط فاصلة داخل الأسرة الواحدة، وتصبح الحياة اليومية سلسلة من التحديات المرتبطة بالتنقل والعمل والاستقرار، في بيئة تفرض خيارات صعبة بين الأمان والوحدة الأسرية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4