لم تعد الحروب الحديثة تُدار حصراً عبر الجيوش والقيادات العسكرية، بل باتت الشركات الكبرى في مجالات الدفاع والتكنولوجيا لاعباً أساسياً في رسم مسارات المواجهات.
في سياق الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، يبرز دور الشركات الأمريكية والإسرائيلية بوصفها ركائز رئيسية في تطوير القدرات القتالية، وتوفير أنظمة متقدمة تسهم في إدارة العمليات الميدانية وتوجيهها بدقة عالية.
تعتمد الولايات المتحدة على منظومة صناعية دفاعية متكاملة تقودها شركات عملاقة، تشكل العمود الفقري لقدراتها العسكرية في مقدمة هذه الشركات تأتي بوينغ، التي تأسست عام 1916، وتنتج طائرات مقاتلة ومروحيات وأنظمة بحرية متقدمة. تشمل منتجاتها طائرات F/A-18E/F Super Hornet، ومروحيات AH-64 Apache وChinook، إضافة إلى طائرة P-8 Poseidon. بلغت إيراداتها من قطاع الدفاع نحو 30.6 مليار دولار في عام 2024، ما يضعها ضمن أبرز مزودي القوات الأمريكية بالأنظمة الجوية والبحرية.
كما تبرز نورثروب غرومان، التي تأسست عام 1994 بعد استحواذ شركة نورثروب على غرومان، وتعد من الشركات الرائدة في تطوير الطائرات الشبح وأنظمة الفضاء تعمل على مشاريع حساسة تشمل القاذفة الاستراتيجية B-21 Raider، إضافة إلى برامج تحديث الترسانة النووية للقوات الجوية الأمريكية. بلغت إيراداتها الدفاعية نحو 37.9 مليار دولار في عام 2024، ما يعكس حجم دورها في تعزيز القدرات الاستراتيجية.
وتحتل لوكهيد مارتن موقعاً محورياً في الصناعات الدفاعية، حيث تأسست عام 1995 نتيجة اندماج شركتي لوكهيد ومارتن مارييتا. وصلت إيراداتها إلى نحو 68.4 مليار دولار في 2024، وتعد من أكبر المتعاقدين مع وزارة الدفاع الأمريكية. تنتج الشركة طائرات F-35، إضافة إلى أنظمة صاروخية متطورة وتقنيات فضائية، وتشارك في برامج عسكرية تمتد إلى مجالات متعددة تشمل الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.
أما RTX (رايثيون تكنولوجيز)، التي تأسست بصيغتها الحالية عام 2020 بعد اندماج رايثيون ويونايتد تكنولوجيز، فتعد لاعباً رئيسياً في تطوير أنظمة الصواريخ والإلكترونيات العسكرية. تركز على أنظمة الدفاع الجوي، ومحركات الطائرات، وتقنيات الاستشعار والتوجيه بلغت إيراداتها الدفاعية نحو 43.6 مليار دولار في 2024، ما يجعلها من أبرز الشركات المؤثرة في ميدان الحروب الحديثة.
على الجانب الإسرائيلي، تلعب الشركات الدفاعية دوراً مكملاً ومتكاملاً مع القدرات الأمريكية، مع تركيز واضح على التكنولوجيا الدقيقة والأنظمة الذكية. تُعد رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة، التي تأسست عام 1948، من أبرز الشركات في تطوير الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي. تواصل الشركة توفير الذخائر والتقنيات اللازمة للعمليات العسكرية، مع الحفاظ على جاهزية خطوط الإنتاج في ظل التصعيد.
كما تبرز الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، التي تأسست عام 1953، وتعمل في مجالات الفضاء والطائرات دون طيار. توفر دعماً استخباراتياً متقدماً عبر أنظمة المراقبة وتحليل الصور الفضائية، قطاع الفضاء يمثل أولوية استراتيجية، نظراً لدوره في دعم منظومات الاستطلاع والإنذار المبكر.
أما إلبيت سيستمز، التي تأسست عام 1966، فتعد من أكبر الشركات الإسرائيلية في مجال الأنظمة الإلكترونية العسكرية. تقدم حلولاً متقدمة تشمل الطائرات المسيّرة، وأنظمة الملاحة، وتقنيات الرصد والتوجيه، إضافة إلى أنظمة القيادة والسيطرة. تسهم هذه التقنيات في رفع كفاءة العمليات البرية والجوية، وتوفير قدرات تكتيكية متطورة.
الدور الذي تؤديه هذه الشركات يتجاوز حدود التصنيع العسكري التقليدي، ليشمل تطوير تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، والأنظمة الفضائية. ميادين القتال باتت منصات اختبار مفتوحة لهذه التقنيات، حيث يجري تقييم فعاليتها في ظروف عملياتية معقدة، ما يسرّع وتيرة الابتكار ويعزز التفوق التكنولوجي.
هذا التداخل بين الشركات والعمليات العسكرية يبرز حجم الترابط بين المصالح الاقتصادية والأهداف الجيوسياسية، حيث تشكل العقود الدفاعية والاستثمارات الضخمة محركاً رئيسياً لتطوير القدرات العسكرية كما أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا يعيد تعريف مفهوم القوة، ليصبح قائماً على التفوق التقني بقدر اعتماده على القدرات التقليدية.
في ظل هذه المعطيات، يتضح أن مراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا أصبحت شريكاً مباشراً في صياغة مسارات الصراع، حيث تتقاطع الابتكارات التقنية مع متطلبات الميدان. هذا الواقع يضع الصناعات الدفاعية في موقع متقدم ضمن معادلة القوة، ويجعلها عنصراً حاسماً في تحديد مآلات المواجهات في المرحلة المقبلة.