أربكت الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران توازنات اليمين الأوروبي، مع اتساع رقعة التباينات داخل هذا التيار، وظهور مواقف متباينة تجاه سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خصوصاً في ما يتعلق بالخيارات العسكرية وتداعياتها على الداخل الأوروبي.
أوردت صحيفة "تلغراف" البريطانية، في تقرير مشترك لعدد من الصحفيين، أن قطاعات واسعة من اليمين الشعبوي في أوروبا بدأت تفقد الحماسة التي أبدتها سابقاً تجاه ترمب، رغم تبنّيها شعاراته السياسية، وعلى رأسها "اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً"، الذي جرى تكييفه أوروبياً ضمن خطاب قومي مشابه.
نقلت الصحيفة عن مصادر داخل هذا التيار رفضها الانخراط في حروب خارجية طويلة، مع تأكيد غياب أي تعاطف مع إيران، مقابل قلق متزايد من أن النهج العسكري قد يضعف شعبية ترمب، ويؤثر سلباً على القوى السياسية المرتبطة به في أوروبا، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية في عدة دول.
في بريطانيا، ابتعدت شخصيات يمينية بارزة، من بينها نايجل فاراج زعيم حزب "الإصلاح"، عن دعم الحرب، مع تحذيرات من أن تأييدها قد يشكّل مخاطرة سياسية، في ظل مزاج شعبي يميل إلى تجنب الانخراط في نزاعات خارجية مكلفة يكشف هذا الموقف تحولاً في حسابات هذا التيار، الذي كان يرى في ترمب نموذجاً سياسياً قابلاً للتكرار.
في إيطاليا، أثار موقف رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني جدلاً واسعاً بعد رفض حكومتها السماح باستخدام قاعدة جوية في صقلية لدعم العمليات الأميركية، القرار عكس حسابات داخلية دقيقة، في ظل حساسية الرأي العام تجاه الحرب، إضافة إلى الضغوط السياسية التي تواجهها ميلوني بعد خسارة استفتاء على إصلاحات قضائية قبل انتخابات مرتقبة.
وأكدت النائبة ديبورا بيرغاميني أن إيطاليا ليست طرفاً في النزاع، ولا تنوي الانخراط فيه، في موقف يعكس محاولة للفصل بين العلاقة السياسية مع واشنطن والخيارات العسكرية التي قد تحمل كلفة داخلية مرتفعة.
في فرنسا، انتقدت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان أهداف الحرب، معتبرة أنها غير واضحة وتُنفذ دون تقدير كافٍ لتداعياتها الاقتصادية، خصوصاً على أسعار الوقود والطاقة. ايضاً تحدثت أوساط داخل حزب "التجمع الوطني" عن مخاوف من انزلاق الولايات المتحدة إلى نزاع طويل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها تعزيز خصومها بدل إضعافهم.
كذلك في ألمانيا، عبّر تينو خروبالا، أحد قادة حزب "البديل من أجل ألمانيا"، عن خيبة أمله من سياسات ترمب، داعياً إلى تقليص الوجود العسكري الأميركي، في موقف يوضح تحولاً في الخطاب السياسي داخل الحزب، الذي كان يوصف سابقاً بقربه من الإدارة الأميركية.
أما في بولندا، ظهرت مؤشرات توتر بعد انتقاد غياب التشاور الأميركي مع الحلفاء قبل تنفيذ الضربات، ما أثار تساؤلات حول طبيعة التنسيق داخل المعسكر الغربي، وأعاد طرح مسألة استقلالية القرار الأوروبي في القضايا الأمنية.
ايضاً في المجر، فحافظ رئيس الوزراء فيكتور أوربان على علاقة قريبة من ترمب، لكنه أبدى حذراً واضحاً، محذراً من أي تدخل بري في إيران بسبب تداعيات محتملة على أسعار الطاقة والاستقرار الاقتصادي. ويقود أوربان تحالف "وطنيون من أجل أوروبا" في البرلمان الأوروبي، الذي يضم عدداً من الأحزاب اليمينية، إلا أن مواقف مكوناته بدت متباينة، مع تراجع الحماسة العامة للحرب.
في الدنمارك، انتقد عضو البرلمان الأوروبي أندرس فيستيسن التناقض بين وعود ترمب السابقة بالحد من النزاعات وتحركاته الأخيرة، معتبراً أن خطابه فقد اتساقه، خاصة بعد مواقفه المرتبطة بقضايا دولية متعددة.
في إسبانيا، خفّف حزب "فوكس" من دعمه الأولي للهجوم، مفضلاً التزام الحذر، بينما حافظ السياسي الهولندي خيرت فيلدرز على تأييده، في موقف بقي استثناء داخل هذا التيار، ما يعكس تبايناً في تقدير المواقف بين مكوناته.
يرى محللون أن ما يحدث لا يمثل قطيعة كاملة مع ترمب، بل إعادة تقييم للعلاقة، حيث يستمر الإعجاب بسياساته الداخلية، خصوصاً في ملفات الهجرة والاقتصاد، مقابل تراجع واضح في تأييد خياراته العسكرية، في ظل مخاوف من كلفة سياسية واقتصادية مرتفعة على الأحزاب الأوروبية.
كما يفتح هذا التحول الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل "الترمبية" في أوروبا، ومدى قدرتها على الاستمرار كنموذج سياسي ملهم لليمين الشعبوي، في وقت تواجه فيه هذه القوى تحديات داخلية وضغوطاً انتخابية متزايدة.
في المحصلة، يكشف المشهد الأوروبي حالة إعادة تموضع داخل اليمين الشعبوي، مع بروز تباينات في المواقف من الحرب، ما قد يعيد تشكيل ملامح التحالفات السياسية خلال المرحلة المقبلة، ويؤثر في طبيعة العلاقة مع واشنطن، سواء على المستوى الحزبي أو الحكومي.