يعيد طرح احتمال انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي فتح نقاش يتجاوز البعد السياسي إلى جوهر البنية العسكرية للحلف، في ظل تساؤلات متزايدة حول قدرة "الناتو" على الاستمرار كقوة ردع فعالة دون الدور الأمريكي المحوري.
يحتل الوجود الأمريكي موقعاً مركزياً داخل الحلف، ليس فقط من حيث الحجم العسكري، ومن حيث الدور التنظيمي والعملياتي الذي يربط بين مكوناته تقديرات صادرة عن مراكز بحثية دولية تضع واشنطن في موقع العمود الفقري الذي تعتمد عليه منظومة الحلف، سواء في التخطيط أو التنفيذ أو التنسيق بين الجيوش المختلفة.
تكشف الأرقام حجم هذا الاعتماد بوضوح، إذ تمثل الولايات المتحدة نحو 66% من إجمالي الإنفاق العسكري لدول الحلف، كما ساهمت بما يقارب 60% من الإنفاق الدفاعي خلال عام 2025. في المقابل، لا تتجاوز مساهمتها في الميزانية المشتركة للحلف نسبة 14 إلى 16%، وهو مؤشر على أن ثقلها الحقيقي يظهر في قدراتها العسكرية المباشرة، وليس في التمويل المؤسسي فقط.
لا يقتصر الدور الأمريكي على التمويل، ويمتد إلى توفير قدرات نوعية يصعب تعويضها سريعاً يعتمد الحلف على واشنطن في مجالات حيوية تشمل التزود بالوقود جواً، والاستخبارات، وأنظمة الإنذار المبكر، والنقل العسكري الاستراتيجي، والدفاع الصاروخي البالستي، إضافة إلى الحرب الإلكترونية هذه القدرات تشكل أساس العمليات المشتركة، وغيابها يضعف قدرة الحلف على التحرك بفعالية في أي سيناريو واسع النطاق.
الحضور العسكري الأمريكي في أوروبا يعزز هذا الدور بشكل مباشر، حيث تجاوز عدد الجنود الأمريكيين 100 ألف جندي بعد الحرب في أوكرانيا هذا الانتشار يمثل عنصر ردع رئيسي، ويمنح الدول الأوروبية مظلة أمنية تعتمد على سرعة الاستجابة والقدرة على التدخل.
يرى خبراء عسكريون أن أي انسحاب أمريكي لن يقتصر أثره على تقليص القوة، ويمتد إلى إضعاف منظومة الردع بالكامل يقوم الحلف على مبدأ الدفاع الجماعي، الذي يستند إلى قناعة بأن الولايات المتحدة ستتدخل في حال تعرض أي عضو لهجوم تراجع هذه القناعة يؤدي إلى اهتزاز الثقة داخل الحلف، حتى في حال استمراره شكلياً.
رغم زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، لا تزال الدول الأوروبية تواجه فجوة في القدرات العملياتية، خصوصاً في مجالات القيادة والسيطرة والاستخبارات المتقدمة. تطوير هذه القدرات يحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد وبنية تحتية معقدة، وهو ما يجعل تعويض الدور الأمريكي أمراً صعباً في المدى القريب.
القيادة العسكرية للحلف تعكس هذا الواقع، إذ يتولى جنرال أمريكي منذ تأسيس "الناتو" منصب القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا. الموقع يمنح واشنطن دوراً حاسماً في رسم الاستراتيجيات وتنسيق العمليات بين الدول الأعضاء، ويضمن توحيد الجهود العسكرية ضمن إطار متكامل.
تحليلات استراتيجية تؤكد أن مجرد التشكيك في التزام الولايات المتحدة بالحلف يؤدي إلى إضعاف الردع، حتى دون تنفيذ انسحاب فعلي. يعتمد الحلف في جوهره على مصداقية التعهدات الأمنية، وليس فقط على حجم القوات أو الميزانيات.
أي تراجع في الدور الأمريكي قد يخلق فراغاً عسكرياً يصعب ملؤه بسرعة، رغم محاولات الدول الأوروبية تعزيز قدراتها الدفاعية هذا الفراغ قد يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لتعزيز نفوذها، مستفيدة من أي تراجع في تماسك الحلف أو قدرته على الردع.
في ضوء المعطيات، لا يمثل الدور الأمريكي مجرد عنصر إضافي داخل "الناتو"، ويشكل الأساس الذي يقوم عليه توازن القوة داخل الحلف. أي تغيير في هذا الدور لن يكون مجرد تعديل في موازين القوى، وقد يؤدي إلى إعادة تعريف الحلف نفسه، من تحالف عسكري متماسك إلى إطار سياسي بقدرات محدودة، يفتقر إلى الأدوات اللازمة لفرض الردع أو إدارة الأزمات الكبرى.