كشفت المقابر الجماعية في بلدة الشدادي بريف الحسكة الجنوبي جراحاً عميقة في الذاكرة السورية، بالتزامن مع ذكرى مجزرة الباغوز التي وقعت في مارس 2019، المشهد اعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر المراحل دموية وتعقيداً في الصراع، ويطرح تساؤلات متجددة حول مصير آلاف الضحايا والمفقودين.
يستذكر أهالي ريف دير الزور سنوياً تلك المجزرة التي شهدتها بلدة الباغوز، آخر معاقل تنظيم «داعش» في سورية، حيث قُتل عدد كبير من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، خلال العمليات العسكرية التي رافقتها غارات مكثفة وقصف عنيف استهدف مناطق مأهولة ومخيمات نزوح وانتشرت مقاطع مصورة تُظهر رفات الضحايا وعظامهم في محيط المخيم الذي تعرض للقصف، ما يعزز الروايات المحلية حول حجم الخسائر البشرية التي وقعت في تلك الفترة.
تزامن ذلك مع إعلان السيطرة على البلدة في مارس 2019، بعد معارك طويلة وحصار استمر أشهراً، أعقبه نقل المقاتلين إلى مراكز احتجاز، والمدنيين إلى مخيمات، أبرزها مخيم الهول، في ظل ظروف إنسانية صعبة، ما أبقى ملف الضحايا والمفقودين مفتوحاً حتى اليوم.
في الشدادي، أدت الأمطار الغزيرة والسيول إلى انكشاف مواقع دفن جماعية قرب سجن يُعرف باسم «الكم الصيني»، حيث عُثر على مقبرة تضم 9 جثث، إلى جانب مؤشرات على وجود عشرات الخنادق التي تحتوي على مئات الجثث مجهولة الهوية، مما يشير إلى اتساع نطاق الانتهاكات في تلك المنطقة خلال سنوات الصراع.
تزامن الاكتشاف مع العثور على مقابر جماعية أخرى في مناطق متفرقة من البلاد، خاصة في أرياف دمشق وحلب وحماة، حيث تتحدث تقارير عن نقل أعداد كبيرة من الجثث ودفنها في مواقع متعددة، في سياق يكشف حجم الانتهاكات التي شهدتها سورية.
في الباغوز، يستمر العثور على مقابر جماعية ضمن مساحة لا تتجاوز 10 كيلومترات مربعة، حيث جرى توثيق 5 مواقع دفن رئيسية، بينها مقابر داخل المخيم القديم وأخرى قرب مرافق خدمية، ما يوضح طبيعة المرحلة التي تداخلت فيها العمليات العسكرية مع أوضاع إنسانية قاسية.
في المقابل، تثير المقابر المكتشفة في الشدادي تساؤلات حول مصير آلاف المحتجزين، خاصة مع وجود تقديرات تشير إلى اختفاء نحو 3000 شخص في مناطق شمال شرقي سورية، ما يعزز المطالب بفتح تحقيقات مستقلة لكشف ملابسات هذه الوقائع وتحديد المسؤوليات.
تتطلب هذه الاكتشافات إجراءات قانونية وتقنية دقيقة تشمل حماية مواقع الدفن، ومنع العبث بها، وتوثيق الأدلة وفق المعايير الدولية، والعمل على تحديد هويات الضحايا، بما يضمن حقوق ذويهم ويفتح الطريق أمام مسارات العدالة والمحاسبة.
تتواصل الدعوات إلى تحرك دولي جاد للتعامل مع ملف المقابر الجماعية، باعتباره من أبرز ملفات العدالة المؤجلة في سورية، في ظل تعقيد المشهد واستمرار معاناة آلاف العائلات التي تبحث عن مصير أبنائها.