تواجه أوروبا أزمة متجددة في إمدادات الغاز الطبيعي، في ظل ضغوط تجارية وسياسية متزايدة من الولايات المتحدة وروسيا، إلى جانب اضطرابات حادة في الإنتاج العالمي، الأمر الذي أعاد ملف الطاقة إلى صدارة التحديات الاستراتيجية لدول الاتحاد الأوروبي، خاصة مع اعتماد كبير على الواردات الخارجية لتغطية الاحتياجات الأساسية.
الضغوط الأمريكية برزت عبر تحذيرات السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوروبي أندرو بوزدير، الذي دعا إلى الالتزام الكامل بالاتفاق التجاري بين واشنطن وبروكسل دون تعديل، مع التلميح إلى فقدان مزايا تفضيلية في إمدادات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي. الاتفاق الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يتضمن التزامًا أوروبيًا بشراء طاقة بقيمة 1 تريليون دولار، وهو ما يعكس حجم الرهان الأمريكي على السوق الأوروبية.
في المقابل، يشهد السوق العالمي تراجعًا في المعروض بعد توقف الإنتاج في قطر نتيجة استهداف منشآت حيوية وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، ما أدى إلى تقليص الإمدادات ورفع المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة، رغم أن الإمدادات عبر المضيق تمثل نحو 10% فقط من واردات أوروبا من الغاز المسال.
تعتمد دول الاتحاد الأوروبي بدرجة كبيرة على الاستيراد، وتشير بيانات عام 2025 إلى أن النرويج تصدرت قائمة الموردين بنسبة 31%، تليها الولايات المتحدة بنسبة 25%، ثم روسيا بنسبة 13%، في حين بلغت حصة شمال أفريقيا 12.8%، إلى جانب 4.3% من المملكة المتحدة، و4% من أذربيجان، و3.8% من قطر.
كما تمكنت الولايات المتحدة خلال عام 2025 من تغطية نحو 58% من واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال، فيما تمثل مجمل إمداداتها نحو 25% من إجمالي واردات الغاز الأوروبية، وهو ما يعزز النفوذ الأمريكي في هذا القطاع الحيوي.
يمتاز الغاز المنقول عبر الأنابيب من النرويج وروسيا والجزائر بانخفاض تكلفته مقارنة بالغاز المسال القادم من الولايات المتحدة، الذي يتحمل تكاليف إضافية تشمل الشحن والتأمين، ما يضع صناع القرار أمام معادلة معقدة بين الكلفة والاعتبارات السياسية.
داخل أوروبا، يستمر الانقسام بشأن التعامل مع روسيا، حيث تسعى المفوضية الأوروبية إلى إنهاء الاعتماد على الغاز الروسي بحلول عام 2027، بينما تعارض دول أخرى هذا التوجه بسبب ارتباطها بإمدادات منخفضة التكلفة.
في المقابل، تحتفظ موسكو بقدرتها على التأثير عبر خفض الإمدادات أو إعادة توجيهها نحو أسواق بديلة، ما يمنحها ورقة ضغط إضافية.
محاولات التنويع تشمل تعزيز التعاون مع الجزائر وزيادة الاستثمارات في شمال أفريقيا، غير أن محدودية البنية التحتية تفرض قيودًا على سرعة التحول.
في المحصلة، تواجه أوروبا واقعًا طاقويًا معقدًا يتطلب موازنة دقيقة بين أمن الإمدادات والكلفة الاقتصادية والضغوط الجيوسياسية، في ظل منافسة محتدمة بين القوى الكبرى على موارد الطاقة.