نفّذت إسرائيل، بدعم استخباراتي أميركي، واحدة من أوسع حملات الاغتيال المنهجي ضد قيادات إيرانية، ضمن حرب متعددة المسارات جرى فيها توزيع الأدوار بين واشنطن وتل أبيب على نحو دقيق. ووفق تقرير لصحيفة "واشنطن بوست"، تولّت الولايات المتحدة استهداف البنية العسكرية الثقيلة من قواعد ومنشآت نووية وبطاريات صواريخ، بينما أُسندت مهمة تصفية القيادات العليا لإسرائيل، في إطار تقسيم عملياتي قائم على القدرات.
الحملة، التي انطلقت مع بداية الحرب في 28 فبراير 2026، أسفرت عن مقتل أكثر من 250 مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى، بحسب تقديرات الجيش الإسرائيلي، من بينهم قادة في الحرس الثوري وأجهزة الأمن ووحدات مرتبطة بالبرنامجين الصاروخي والعسكري ومن أبرز العمليات اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الافتتاحية، ثم سلسلة اغتيالات لاحقة طالت شخصيات بارزة، بينها قائد القوات البحرية في الحرس الثوري علي رضا تنكسيري، والجنرال علي جراغي، المسؤول عن وحدة حماية المعلومات في قوى الأمن الداخلي.
المعطيات الواردة تفيد بأن هذه العمليات اعتمدت على بنية استخباراتية معقدة جرى تطويرها على مدى سنوات، تجمع بين المصادر البشرية داخل إيران والاختراقات الإلكترونية واسعة النطاق. شملت عمليات الاختراق آلاف الأهداف، من كاميرات المراقبة الحضرية إلى أنظمة الدفع الإلكتروني، إضافة إلى شبكات الاتصالات ونقاط حجب الإنترنت التي تستخدمها السلطات.
البيانات الضخمة الناتجة عن هذه الاختراقات خضعت لتحليل عبر منصات ذكاء اصطناعي متقدمة، قادرة على بناء نماذج دقيقة لأنماط حياة القيادات وتحركاتها اليومية. هذا المستوى من التحليل أتاح تنفيذ ضربات عالية الدقة، من بينها تعديل مسار صواريخ أثناء الطيران، كما حدث في عملية 13 يونيو التي أدت إلى مقتل قائد القوة الجوية في الحرس الثوري أمير علي حاجي زاده بعد تتبع تحركاته اللحظية.
كما كشف التقرير عن تعاون وثيق بين أجهزة استخبارات إسرائيلية، مثل "الموساد" ووحدة 8200، مع أجهزة أميركية بينها "CIA" و"NSA"، ضمن شبكة تبادل معلومات مستمرة منذ سنوات، ما أسهم في بناء بنك أهداف واسع ومحدّث بشكل دائم.
وشملت الوسائل المستخدمة طائرات مسيّرة انقضاضية، وعبوات ناسفة مزروعة مسبقاً، وصواريخ موجهة عالية السرعة أُطلقت من منصات جوية متقدمة، إضافة إلى عمليات اختراق ميدانية داخل العمق الإيراني كما تم استهداف ما عُرف بـ"مجموعة الخمسة"، التي ضمّت خامنئي وأقرب مستشاريه، بعد مراقبة دورية استمرت أشهراً قبل تنفيذ الضربة.
رغم هذا التفوق العملياتي، تبدو النتائج الاستراتيجية محدودة. فالنظام الإيراني تمكّن من تعويض خسائره بسرعة عبر تعيين قيادات بديلة، مع ميل متزايد نحو التشدد، دون ظهور مؤشرات على انهيار داخلي أو تفكك مؤسساتي. كما لم تُسجّل احتجاجات واسعة، في ظل تشديد القبضة الأمنية واستمرار العمليات العسكرية.
خبراء نقلت عنهم "واشنطن بوست" حذّروا من أن الاعتماد المتزايد على الاغتيالات كأداة رئيسية قد يحوّلها من وسيلة تكتيكية إلى خيار استراتيجي محفوف بالمخاطر، لما قد ينتجه من تصعيد مستمر دون حسم كما يطرح هذا النمط من العمليات تساؤلات حول طبيعة الحروب الحديثة التي باتت تقوم على التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي بقدر اعتمادها على القوة العسكرية التقليدية.